د. مقبول التجاني
إن الأزمة السودانية، هي أزمة مجال عام في الأساس، و الرصاصة الأولى في الحروب، هي اللحظة التي يُصبح فيها فشل إدارة الإختلاف السياسي و الإجتماعي مكشوفاً وعنيفاً، و قبلها تكون هناك سنوات من تراكم الأزمات، وإنسداد قنوات الحوار، وإنهيار الثقة، وتآكل المؤسسات، وإستقطاب المجتمع، وتحول الخصم السياسي و الإجتماعي داخل الوطن إلى عدو.
من هذه الزاوية، لا تبدو الأزمة السودانية أزمة عسكرية فقط، ولا أزمة سياسية بالمعنى الضيق، وإنما هي أيضاً أزمة في القدرة على التواصل و إعادة إنتاج التوافق.
من هنا تكتسب أفكار الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس أهمية خاصة، لأنه ينظر إلى اللغة بإعتارها فاعلة إجتماعياً، و يميز بين أنماط مختلفة من الفعل اللغوي الإجتماعي، ويُولي أهمية خاصة للفارق بين الفعل اللغوي الاستراتيجي والفعل اللغوي التواصلي.
في الفعل الاستراتيجي، يتعامل الفاعل مع الآخر، باعتباره طرفاً ينبغي التأثير عليه، من أجل تحقيق هدف معين، و النجاح هنا يقاس بمدى قدرة الفاعل على الوصول إلى غايته.
أما في الفعل التواصلي، فإن الهدف الأساسي ليس مجرد إخضاع الآخر، وإنما الوصول إلى تفاهم معه، من خلال اللغة والحجة والنقاش.
هذا التمييز، يمكن أن يساعدنا في فهم جانب عميق من المأزق السوداني، فقد تحولت السياسة السودانية، في مراحل كثيرة، إلى فعل استراتيجي صرف.
حتى الحوار السياسي نفسه، يمكن أن يتحول إلى فعل إستراتيجي، إذا دخلته الأطراف المُختلفة، وهي تحمل نتائجها النهائية معها، و في هذه الحالة يصبح الحوار تفاوضاً مقنعاً في صورة حوار، و التفاوض لا ينتج بالضرورة قناعات مشتركة.
قد يقول قائل، إن نظرية هابرماس نشأت في سياق أوروبي ديمقراطي، بعد سنوات من التنوير و العقلانية الكانطية، وإن السودان يعيش حرباً وإنهياراً مؤسسياً، وبالتالي فإن الحديث عن التواصل العقلاني يبدو مثالياً للغاية.
لكن هذا الاعتراض في رأيي، لا يلغي أهمية الفكرة، بل يجعلها أكثر ضرورة.
الاختلاف حول شكل الدولة، والنظام الاقتصادي، والهوية، وعلاقة الدين بالدولة، والمركز والأقاليم، ودور المؤسسة العسكرية، والسياسات الاجتماعية، هو اختلاف طبيعي في مجتمع متعدد، لكن المشكلة تكمن في الطريقة التي ندير بها الإختلاف، و المطلوب هو التوافق على قواعد إدارة الاختلاف.
الديمقراطية لا تلغي الصراع، وإنما تنقل الصراع من الشارع إلى المؤسسة، ومن البندقية إلى صندوق الاقتراع، ومن التخوين إلى الحجة، ومن الإقصاء إلى التنافس السياسي.
عندما يتحول الخصم السياسي إلى عدو، يفقد حقه مُباشرة في الكلام، وإذا فقد حقه في الكلام، يصبح إسكاتُه مشروعاً في نظر خصمه، وعندما يصبح إسكات الآخر مشروعاً، تصبح وسائل الإكراه مقبولة، و هكذا تبدأ الحرب في اللغة، قبل أن تبدأ في الميدان بإستخدام الزخائر.
إن أخطر ما فعلته الحرب السودانية، أنها عمقت عملية نزع الإنسانية عن الآخر، و حولته إلى شبح ليس له حق في الوجود.
الحوار يفترض الإعتراف بأن الآخر موجود، وأن لديه أسباباً ومخاوف ومصالح ورؤية للعالم، حتى لو كانت تلك الرؤية مرفوضة أخلاقياً أو سياسياً.
المجال العام، هو الفضاء الذي يستطيع فيه المواطنون مناقشة القضايا العامة، وتكوين الآراء، وممارسة النقد، والتأثير في القرار السياسي.
وعند النظر إلى التاريخ السوداني نجد أن السودان عرف أشكالاً متعددة من هذا المجال العام: الصحافة، الجامعات، النقابات، الاتحادات المهنية، الأندية، المنتديات، الجمعيات، الإدارات الأهلية، الطرق الصوفية، والحركة الثقافية.
لكن هذا المجال العام السوداني كان في الغالب هشاً، و لم يكن مُستقلاً دائماً عن السلطة، وفي مراحل مُختلفة تعرض للتسييس، و التضييق، أو الاستقطاب، و المصادرة.
مع الحرب، أصبح المجال العام السوداني، مُنقسم إلى فضاءات متوازية و مُتصارعة، و كل جماعة تعيش داخل فقاعة سياسية و لغوية خاصة بها، و تستمع فقط إلى خِطابها، وتُتابع مصادرها، وتعيد إنتاج روايتها، ثم تتعامل مع رواية الطرف الآخر بإعتبارها كذباً أو دعاية سياسية و حربية.
إذا لم يعد السودانيون، قادرين على الإتفاق، حتى على الحقائق الأساسية، فلن يمكنهم الإتفاق على العيش المُشترك، و لا على مستقبل الدولة الواحدة.
إن إعادة بناء المجال العام السوداني، يجب أن تكون جزءاً من مشروع البحث عن السلام نفسه.
عندما يتحدث الإنسان إلى الآخر، فإنه لا يقدم كلمات فقط، وإنما يقدم ضمنياً ادعاءات يمكن اختبارها ومناقشتها: هل ما أقوله صحيح؟ هل ما أفعله مشروع؟ هل ما أعبر عنه صادق؟
ومن هنا تصبح اللغة مساحة للإختبار والنقد.
لكن الخطاب السياسي و الإعلامي أثناء الحرب، يفعل العكس تماماً، و أصبح الهدف أحياناً ليس البحث عن الحقيقة، وإنما تعبئة الأنصار، و حين تصبح الحقيقة تابعة للهوية السياسية، يصبح من الصعب جداً إنتاج التوافق.
الإتفاق يحتاج إلى أرضية مُشتركة من الحقائق، بينما الإستقطاب ينتج لكل طرف حقيقته الخاصة، ومن هنا فإن أي مشروع سلام سوداني جاد، يحتاج أيضاً إلى مشروع لإستعادة المصداقية العامة، و تجاوز أزمة الحقيقة.
من أكثر مفاهيم هابرماس عمقاً التمييز بين عالم الحياة (Lifeworld) و عالم النسق (System)، فعالم الحياة هو عالم العلاقات اليومية، والثقافة، والقيم، واللغة، والعلاقات الاجتماعية التي تمنح الناس إحساسهم بالمجتمع والانتماء.
أما عالم النسق فيرتبط بالمؤسسات، والسلطة، والاقتصاد، والآليات التي تعمل وفق منطق القوة والمال والمصلحة.
المشكلة تحدث، عندما يبدأ منطق عالم النسق، في التغول و الإستحواذ على عالم الحياة.
وإذا أسقطنا هذه الفكرة على السودان، نجد أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة على مؤسسات الدولة، بل بدأت تتغلغل في المجتمع نفسه، فالخلاف السياسي أصبح خلافاً إجتماعياً حاداً، والإستقطاب أصبح عائلياً ومناطقياً وقبلياً وجهوياً، واللغة السياسية أصبحت تؤثر في العلاقات اليومية.
هنا يصبح الوصول إلى السلام أكثر تعقيداً، و أكثر من مجرد توقيع إتفاق سياسي أو عسكري، بين قيادات فوقية، فحتى إذا إتفقت القيادات و النخب، قد يظل المجتمع السوداني نفسه مُنقسماً.
لهذا فإن السلام الحقيقي، يجب أن يعيد بناء عالم الحياة السوداني نفسه، و أن يستطيع الناس أن يعيشوا معاً مرة أخرى، و أن يعود الجار جاراً، والصديق صديقاً، وأن يعود المُختلف سياسياً مُواطناً، و وأن يعود الوطن مِساحة مُشتركة، لا ساحة صِراع دائم.
هذا الأمر المُعقد، يحتاج إلى ترميم إجتماعي شامل، و إلى مشروع للحقيقة و المُصالحة، و بدء ترتيبات للعدالة الإنتقالية، و من ثم مُعالجة مرارات الحرب.
يجب أن نفرق بين وقف الحرب، و إنهاء شروط إنتاج الحرب، فالأول يحتاج إلى اتفاق عسكري وأمني، و أما الثاني فيحتاج إلى مشروع سياسي واجتماعي ودستوري.
إذا كانت الحرب نتاجاً لفشل التواصل بين السودانيين، فإن بناء السلام، يجب أن يتضمن إعادة بناء قنوات التواصل، و أن تجلس المجتمعات السودانية نفسها إلى طاولات متعددة للحوار.
السودان يحتاج الآن، إلى إستعادة السياسة، و ربما تكون أكبر خسارة سببتها الحرب للسودان، هي أنها جعلت السياسة نفسها تبدو عاجزة.
لذلك فإن الخروج من مأزق الحرب السودانية، يجب ألا يكون مجرد إتفاق بين المُتحاربين، وإنما عملية تاريخية لإعادة بناء المجال العام السوداني نفسه، و ترميمه، وإعادة الإعتراف المتبادل، وإعادة تأسيس الشرعية السياسية على مبدأي الحوار والمشاركة.
الحرب هي فشل اللغة، و إنهيار القدرة على التواصل، و أما السلام في معناه الأعمق، ليس مجرد صمت البنادق، و إنما هو استعادة القدرة على الكلام، والإستماع، والإختلاف، والإقناع، والتوافق.
أي بمعنى آخر، هو اللحظة التي تستعيد فيها اللغة قدرتها مُجدداً، على حل ما عجز السلاح عن حله.
