د. مقبول التجاني
لقد أنتجت الحرب السودانية، فضاءاً مُتصارعاً من السرديات و الخطابات الإعلامية المُتضاربة، بحيث أصبح لكل طرف سوداني روايته و سرديته عن الحرب و عن الحقيقة، و لكل طرف سوداني قاموسه اللغوي الخاص في تعريف الخيانة و الوطنية، والدولة، والمقاومة والإستسلام، والسلام.
في خضم هذا الصراع السوداني العبثي، لم تعد اللغة و الكلمات مجرد وسيلة لوصف الحرب، و لا للحديث عنها، بل أصبحت جزءاً من آلتها الإعلامية الضخمة، ووقوداً لإستمرارها، وأداة لإعادة إنتاج الإنقسام الإجتماعي والسياسي و العسكري.
لقد إستطاعت الخطابات السياسية والعسكرية المُختلفة، أن تجعل من إستمرار الحرب يبدو ضرورة وطنية، وأن تجعل من التراجع عن الحرب يبدو هزيمة، و حولت هذه الخطابات الإعلامية المُتناقِضة موت السودانيين اليومي، إلى مادة لتبرير المزيد من الموت المجاني.
إن تفكيك سرديات الحرب السودانية، لا يهدف إلى مساواة الأطراف المُختلفة في المسؤولية، ولا إلى محو الفوارق الموجودة بينها، وإنما يستهدف تحرير العقل السوداني من أسر الروايات المُغلقة، و إلى توحيد المجال التداولي العام و توسيعه، و إلى إعادة السياسة إلى وظيفتها الأصلية، و هي فن إدارة الاختلاف و تحقيق التوافق بين السودانيين، و ليس كآداة لتدمير الآخرين المُختلفين.
إن الشرعية التاريخية للمؤسسة العسكرية، و الخوف من إنهيار الدولة السودانية، لا تكفي وحدها لتبرير كل فعل يصدر عن هذه المؤسسة في زمن الحرب، و لا يُعطي قيادتها شرعية مُطلقة للحُكم، و لا يجعل كل ما يُرفع باسم الدولة السودانية تعبيراً بالضرورة عن إرادة المجتمع السوداني.
إن الخطاب السياسي، الذي يضع الجيش السوداني في موقع الدولة، وكل خصومه في موقع العمالة و الفوضى، قد يحجب حقيقة أن الدولة ليست عبارة عن المؤسسة عسكرية وحدها، وإنما منظومة مُتكاملة من الحقوق و الواجبات و المُؤسسات، و التي تعبر بالضرورة عن الإرادة الشعبية للسودانيين.
لا يمكن الدفاع عن الدولة السودانية، بتدمير شروط وجودها الإجتماعية والإقتصادية نفسها، ولا يمكن إستعادة السيادة الوطنية من دون حماية المواطنين، الذين يمنحون الدولة السودانية معنى وجودها.
تستند سردية الدعم السريع، في جوانب منها، إلى خطاب التهميش التاريخي، و لكن المنهج البنيوي يميز بين وجود المظلومية بإعتبارها واقعاً تاريخياً مُعاشاً، و بين إستخدام خطاب المظلومية، لتأسيس شرعية مطلقة لقوة مسلحة ما.
إن المعاناة التاريخية وحدها، لا تمنح أي تنظيم حق إحتكار تمثيل الجماعات المهمشة، ولا تمنحه تفويضاً مفتوحاً بإستخدام العنف بإسمها، ولا تجعل السيطرة العسكرية بديلاً عن الإرادة الشعبية لمجموع السودانيين.
هنا تتكشف إحدى المفارقات المركزية، في خطاب الحرب لدى الدعم السريع، فقد يبدأ الخطاب بإسم تحرير المُهمشين، لكنه ينتهي إلى إخضاع المُهمشين أنفسهم لمنطق القوة، و يجعل المُواطن السوداني البسيط، مطالباً بإثبات ولائه لأحد المعسكرين المُتقاتلين.
إن تفكيك سردية الدعم السريع، يعني الفصل بين عدالة المطالب التاريخية للمناطق المُهمشة، وبين شرعية الوسائل المُستخدمة بإسمها، لأن المساواة الإجتماعية لا تتحقق باستبدال مركز مسلح بمركز مسلح آخر.
إن الدعوة إلى الحكم المدني، ووقف الحرب، وإستعادة الإنتقال الديمقراطي، تنتمي إلى مطالب سياسية و إجتماعية، لا يمكن إختزالها في مواقف هذا التحالف أو غيره من القوى المدنية، و لكن تبني خِطاب المدنية وحده، لا يكفي كي تصبح أي جهة ما، مُمثلاً حصرياً لإرادة جميع السودانيين.
إن هناك فرق جوهري كبير، بين الدفاع عن المشروع المدني الديمقراطي، وبين الإدعاء المفتوح بإمتلاك التفويض الشعبي الكامل، لتفسير و تجسيد ذلك المشروع، وتحديد مُمثليه، و إقصاء مُعارضيه.
إذا كان الخطاب العسكري، قد يميل إلى إحتكار تعريف الدولة، فإن الخطاب المدني، قد يقع بدوره في إحتكار تعريف الثورة أو الديمقراطية أو الشرعية الانتقالية.
إذا كانت النظرية التفكيكية، تكشف مجموع التناقضات داخل خِطابات و سرديات الحرب السودانية، فإن النظرية البنيوية تساعدنا على فهم النظام الذي يجعل من هذه الخطابات مُتقابلة، ومُترابطة، وقادرة على إعادة إنتاج الحرب بإستمرار، لأن الخطاب السياسي لا يعيش منفرداً و معزولاً، وإنما يتشكل داخل شبكة من العلاقات والمصالح والرموز والمؤسسات.
إن الحرب السودانية الراهنة، ليست عبارة عن مُجرد خِلاف بين ثلاثة سرديات و روايات مُتضاربة، بل عبارة عن بنية إجتماعية مُختلة، تتداخل فيها السلطة العسكرية، والمصالح الإقتصادية، والتحالفات السياسية، والتدخلات الخارجية، والإنقسامات الاجتماعية الحادة.
لذلك فإن تفكيك سرديات الحرب السودانية، و إعادة تشكيل بنيتها الإجتماعية، يجب أن يقود إلى تفكيك منظومة الحوافز نفسها، و التي تجعل من الحرب قابلة للإستمرار، لأن الحرب لا تستمر بالسلاح وحده، بل تستمر أيضاً داخل حدود اللغة السودانية، حين تتحول التعبئة السياسية إلى مصدر لشرعية العنف، و تستمر داخل منطق المصلحة، حين يتحول الإقتصاد الحربي إلى مصدر للمصالح المُستمرة، و تستمر داخل حدود الخيال الشعبي، حين يتحول الخوف الجماعي إلى أداة للسيطرة على فصائل المُجتمع المُختلفة.
إن تفكيك سرديات الحرب السودانية، و إعادة تشكيل بنيتها، لا يكتمل إذا بقي حبيس النقد النظري فقط، و لكنه يجب أن يتحول إلى قرار سياسي يؤدي إلى إيقاف الحرب فوراً، بعد الإتفاق على حق أولوية الحياة للسودانيين، و إدراك أن استمرار القتال ليس قدراً محتوماً على جميع السودانيين.
لذلك فالمطلوب الآن، هو تحرير الحقيقة المُجردة من إحتكار الأطراف المُتصارعة، وتحرير السياسة السودانية من منطق الإلغاء المُتبادل، وتحرير المُجتمع السوداني من الخوف، و الذي يجعل من الحرب تبدو و كأنها الخيار الوحيد المُتاح.
إن المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به جميع السرديات المُختلفة، ليس في قدرتها على تبرير الماضي، ولا قدرتها على تعبئة الأنصار و حشدهم، وإنما في قدرتها على فتح المستقبل أمام جميع السودانيين، بوقف الحرب فوراً.
