الدكتور صلاح الحبو،
قارئٌ حصيف، وناقدٌ صائب الرؤية، وكاتبٌ بليغ العبارة. ينتقي خياراته الأدبية بوعيٍ رفيع، ويقرأها بعينٍ فاحصة، ثم يعلّق عليها بموضوعيةٍ واتزان. وقد التقيته الأسبوع الماضي في معرض الدوحة الدولي للكتاب لعام 2026، حيث كان يتجول بين أروقته بصحبة ابنه وكريمته، قبل أن يحطّ رحاله أخيرًا في جناح متوكل الشريف للنشر (H2 90). وأثناء تصفحه لمعروضات الشريف الأدبية، أشرتُ إليه بأهمية كتاب الدكتور عبد المجيد عابدين: “تاريخ الثقافة العربية في السُّودان منذ نشأتها إلى العصر الحديث: الدين، الاجتماع، الأدب”. وقد أثار دهشتي إقباله السريع على قراءة هذا السفر الضخم، ثم تقريظه لمحتوياته بموضوعيةٍ ووعيٍ نقديٍّ لافت. ويُحسب للدكتور الحبو قدرته النقدية على تحقيق توازنٍ دقيق بين الاحتفاء بالقيمة التأسيسية للكتاب، وتسجيل الملاحظات النقدية عليه؛ فلم يقع في الإطراء المجاني، بل أشار بوعيٍ إلى محدودية المقاربة الثقافية العربية الكلاسيكية في استيعاب المكونات الإفريقية ضمن الهوية السودانية المركبة. وهذه الملاحظة تحديدًا تكشف عن نضجٍ في القراءة، ووعيٍ بتحولات الدراسات الثقافية الحديثة. وتُعدّ مداخلة الحبو، في مجملها، قراءةً ثقافيةً أنيقةً لكتابٍ تأسيسيٍّ مهم، وتمثل نموذجًا جيدًا للكتابة التي تربط بين تجربة القراءة الفردية والأسئلة الفكرية العامة المتصلة بتاريخ السودان الثقافي وهويته المركبة.
وعلى الرغم من أن الحبو قد ذيّل مقالته بحاشيةٍ وافية عن الدكتور عبد المجيد عابدين، فإنها شجعتني على إضافة فقرةٍ أخرى لتعريف القراء الشباب بصاحب الكتاب، الذي تناوله الحبو بعنايةٍ واهتمام.
فعبد المجيد عابدين (1915–1991) يُعدّ من أبرز دارسي الأدب والثقافة العربية في السودان. وقد حصل على درجة دكتوراه الفلسفة في الأدب العربي في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة لاحقاً) عام 1935، وكان صاحب حضورٍ أكاديميٍّ متميزٍ وسط طلبة كلية الخرطوم الجامعية (جامعة الخرطوم لاحقًا)، حيث يصف الطيب علي السلاوي محاضراته بأنها “كانت تفيض وتتدفق علمًا وأدبًا ووضوحًا في الرؤية”، ومتسقةً مع “أسس ومقومات الدراسة في الجامعات والمعاهد العليا”. كما امتاز بانفتاحه الذهني وتقبله لوجهات النظر الأخرى “دون انفعالٍ أو تشنج”، بل بدافع رغبةٍ صادقةٍ في “البحث والاستقصاء، وتبادل المعارف والخبرات.” يمضي السلاوي في القول بأن موضوعات محاضراته قد اتسمت بالعمق المعرفي والقراءات النقدية الناضجة في أدبيات ابن المقفع، والجاحظ، والمعري، والعقاد، وطه حسين. وفوق هذا وذاك كان للدكتور عبد المجيد عابدين قراءات فاحصة في مقدمة ابن خلدون، كما ثمنها طالبه عثمان سيدأحمد إسماعيل البيلي، واهتمام جاد بدراسة الثقافة والأدب السُّوداني. وتعكس عناوين إصدارته الآتية هذا العمق: “التيجاني شاعر الجمال”، و”ملامح من ثقافة التعليم والحداثة في شعر الحردلّو”، و”من أصول اللهجات العربية في السُّودان: دراسة مقارنة في اللهجات العربية القديمة وآثرها في السُّودان”، و”تاريخ الثقافة العربية في السُّودان منذ نشأتها إلى العصر الحديث: الدين، الاجتماع، الأدب”. ويذكر البروفيسور يوسف فضل حسن أن الدكتور عبد المجيد عابدين قد احتفى به أثناء زيارته البحثية للقاهرة عام 1959، وقدمه إلى عدد من المؤرخين المصريين البارزين في مجال مشروع أطروحته لنيل درجة الدكتوراه، ويذكر منهم: الأستاذ الدكتور حسن أحمد محمود، مؤلف كتاب “الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا”، والأستاذ الدكتور مصطفى محمد مسعد، مؤلف كتاب “الإسلام والنوبة في العصور الوسطى”.
رحم الله الدكتور عبد المجيد عابدين، وأطال الله عمر الدكتور صلاح الحبو، ومتعه بالصحة والعافية، ليخرج لنا مثل هذه الدرر الأدبية، ويقدمها موضوعية واتزان معرفي.
habobsalah@gmail.com
