هذه الأرض لنا.. ليست مسرحا ولا نحن جمهور

اكتشفوا السودان كما لو أنكم أول من وطئت أقدامهم هذه الأرض
حاتم أبوسن

سئمنا من الشكوي عن حال السودان، فإننا نكاد نحفظ الكلمات قبل أن تُقال. حديثٌ عن الفساد، التهميش، الفقر، القمع، غياب العدالة، النفاق السياسي، الكوارث المتكررة، وسردٌ طويل لا ينتهي من حكايات الظلم والخذلان، وكأننا وجدنا في تكرارها عزاءً يعفينا من أي مسؤولية. نمارس النقد كما يمارس الآخرون التنفس، لكننا لا نفعل شيء، بل نعيش في غيبوبة الوعي المزيّف. لقد حوّلنا النقد إلى شماعة نُعلّق عليها الفشل، وننام مطمئنين أن دورنا قد أُنجز، وأننا على صواب فقط لأننا نعرف من هو الظالم، ونردد أسماءه كأننا نمارس طقسًا مقدسًا.
لقد حان الوقت أن نستفيق. أن نفيق من هذا الإدمان التاريخي على السياسة الزائفة، ومن الهوس بتفاصيل من يحكم ومن يعارض، ومن جلس على الكرسي ومن سقط عنه، ومن أطلق شعارات الثورية ومن خانها. حان الوقت لنعترف بأن الطريقة التي مارسنا بها السياسة كانت سطحية، صاخبة بلا عمق، مشغولة بالتصنيف لا بالفعل، بالخطابة لا بالبناء، بالشعارات لا بالقيم. ما أسهل أن تصف الآخرين بالخونة، والفاسدين، والانتهازيين، وتترك لهم الساحة ليحكموا، وأنت تجلس متفرجًا تعتقد أنك انتصرت فقط لأنك وصفتهم بما هم عليه.
إن الوطن لا يُبنى بالشتائم ولا بالتحسر، بل بالعمل، بالإرادة، بالتنظيم، بالإيمان بأن الأرض ملكٌ للناس لا للأنظمة. السودان، هذه الأرض الغنية بكل معنى الكلمة، لا تحتاج إلى من يحكمها بقدر ما تحتاج إلى من ينهض بها. والثروات التي نمتلكها، من الذهب والمياه والزراعة، ليست بحاجة إلى شعارات بل إلى عقول وسواعد وضمائر حية. ما يملكه السودان لا تملكه دول صُنعت من لا شيء، ومع ذلك أصبحت من أعمدة الحضارة والاقتصاد، فقط لأن شعوبها قررت أن تعمل.
هذه الأوقات الصعبة التي نمر بها تنبئنا أن من الضروري أن نراجع كيف نوجه طاقاتنا كمجتمع. لا أود أن أقسو علي أحد و لكن في الوقت الذي يحتاج فيه السودان إلى العقول والمهارات والأيدي التي تبني وتزرع وتبتكر، نجد أنفسنا ننتج مطربين ومؤثرين وصانعي محتوى بمعدلات تفوق إنتاجنا للعلماء، والمعلمين، والمهندسين، والمخترعين، والمزارعين. هذا لا يعني أن الفن ليس له مكان، بل هو ضرورة، لكن حين يفقد الجيل الجديد الإيمان بأن للعلم والتعليم والمعرفة دورًا في تحقيق الذات، فإننا أمام خلل خطير في الأولويات. الوطن لا يبنى بالأغاني وحدها، بل من داخل المصانع، والمدارس، والمختبرات، والمزارع. لقد آن الأوان أن نقول بصوت واضح: نريد جيلًا يعرف أن ثمة قيمة للإنسان بما يتركه من أثر في بناء وطنه. السودان لا يحتمل مزيدًا من التخدير الجماهيري، بل يحتاج إلى يقظة شاملة تعيد للعلم والمعرفة والعمل قيمتهم المركزية في مشروع النهوض.
الولايات المتحدة لم تكن سوى مستعمرة فقيرة، تفككت وشُتتت، لكنها أعادت تأسيس نفسها على يد شعبٍ آمن بحقه في الحياة والحرية والسعي نحو السعادة. ألمانيا خرجت من حربين عالميتين مدمّرتين، وكانت أنقاضًا، لكنها لم تلتفت كثيرًا إلى جلد الذات، بل بدأت تبني حجرًا فوق حجر حتى أصبحت من أقوى اقتصادات العالم. سنغافورة كانت مستنقعًا من الفقر، واليوم هي رمز للنظام والازدهار، لا بفضل قائد ملهم فقط، بل لأن الناس قرروا أن يكونوا شركاء حقيقيين في النهوض. رواندا، تلك التي عرفت الإبادة والدماء، لم تلعق جراحها طويلاً، بل عملت وعلّمت وأصلحت.
و أجمل ما سمعت من مقولة في هذا البلد و أعتقد أنها لكندي أن لا تسأل ماذا سيقدم لي بلدي و لكن بالأحري ماذا سأقدم أنا لبلدي
Ask not what your country can do for you, ask what you can do for your country
فلماذا لا نفعل نحن ذلك؟ ما الذي ينقصنا سوى القرار؟ لا نحتاج إلى معجزة، بل إلى أن نعيد تعريف أنفسنا. نتصرف وكأن السودان مِلكٌ للأنظمة، ننتظر أن تصلح الحكومات أحوالنا، وننسى أن الحكومات هي انعكاس لمجتمعٍ خامل، منهك، فقد الإيمان بذاته. لا شيء يُرعب الطغاة أكثر من مجتمع منظم، واعٍ، يطالب بحقوقه بصوتٍ واحد، لا يساوم على كرامته ولا إنسانيته. الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع، ولكن ليس بالصراخ، بل بالتنظيم، بالمعرفة، بالقانون، بالصبر، بالإصرار.
من العار أن نكون جيلًا أضاع فرصة النهوض. أن نحيا فقط في الحنين، ونترك أبناءنا في فراغٍ بلا ملامح. لقد آن أوان البناء الحقيقي، أن نعيش كأننا اكتشفنا السودان اليوم، وعلينا أن نضع أول حجر في مدينةٍ للحياة، لا للهتاف. مدينة تُبنى على قيم الأسرة، والمجتمع، والروح، والتعليم، والعمل، لا على تمجيد السياسيين والمنتفعين. لقد آن الأوان أن نقف في وجه الفساد لا بوصفه، بل بهدمه. أن نرى في النفايات فرصة للتنظيف لا للسخرية، في الجهل فرصة للتعليم لا للتفاخر بالوعي، في الظلم دعوة إلى العدالة لا إلى الشكوى.
علينا أن نؤمن بأن الخوف الذي سيطر علينا لعقود، لم يكن سوى شبحٍ لا وجود له، تمامًا كما خاف الجن من النبي سليمان بعد موته، حتى اكتشفوا أنه كان ميتًا. لقد ماتت تلك الرموز التي كنا نهابها، لم تعد قادرة على تقييدنا، وما بقي إلا وهم نردده ونخافه دون سبب.
لقد تأخرنا كثيرًا، لكن الأمل لا يموت. والفرصة الآن، بين أيدينا. لنبدأ. لننظف. لنبني. لنُربّي. لنعمل. لنتعلّم. لنُطالب. لنتعاون. لنتحرّك. لنُؤمن بأننا لا نحتاج إلى حكومة مثالية، بل إلى شعبٍ يعرف ما يريد، ولا يقبل بأقل من حقه، ولا يساوم على كرامته. شعبٌ يبدأ من نفسه، ومن حيه، ومن مدرسته، ومن شارعه، ويجعل من السودان وطنًا يشبه أحلامه لا كوابيسه.
هذا هو الوقت. وقت سودان المستقبل.

habusin@yahoo.com

عن حاتم أبوسن

شاهد أيضاً

قوات الدعم السريع، من الذي أنشأ الوحش حقًا؟ لا هذا ولا ذاك، بل هو اختراق استخباراتي مكتمل الأركان

في خضم التصريحات المتأخرة التي أدلى بها أحد قيادات المؤتمر الوطني لقناة الجزيرة محاولًا تحميل …