هروب بلا وداع – سردية النزوح من حرب نشبت بلا قضية

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

هذا العنوان، مع الاعتذار و”الإجلال”، هو “استيحاء “من عنوان الأديب الكاتب، بل أقول “المؤرخ الموثق”، الأستاذ عبد الفتاح عبد السلام” :سردية الهروب من أم درمان “.تلك الحلقات النيّرات الباهرات التي أتحفنا بها، معبراً عنه هو وغيره ممن أجبرتهم حرب السودان اللعينة على مغادرة الوطن وهم يقاسون الأمرَّيْن: فراق الديار، وضياع الغالي والنفيس، ومصارعة عذاب النزوح ومشاقّه. إنه قلم الكاتب الإنساني الذي يهتم في أسفاره وتجواله بهموم الناس، يدقِّق في ملاحظاته، ويشاركهم كل صغيرة وكبيرة، ويتعرف عليهم ليس “فضولاً”، بل من منطلق الفكر والتفكُّر في تقلبات الحياة، وخبرة فن التعامل الإنساني مع واقع الحال، والاهتمام بواجب الإنسان نحو الآخر. هذا الدأب السامي أحسستُ به وأنا أتابع بمتعة غامرة حلقات تلك السرديات الأدبية القصصية التوثيقية التاريخية، الروائية الرائعة والنقدية في آن واحد. كل حلقة سردية تتنزَّل علينا بنَفَس طيب وروح مرحة لا تجرح ولا تهين. أقرأها وأحتفظ بها، ومستمتعاً أبعث بها للأشقاء والأحباب.

حفزتني سرديات الأستاذ عبد الفتاح عبد السلام لأكتب عن آخرين من أسرتنا الممتدة الموقرة، عانوا مثله جرَّاء مشقات الحرب، من نزوح قسري مؤلم وفقدان لكل ما يمتلكون. الإرهاق واليأس والنفسيات المحبطة أخرست أقلامهم التي كانت قادرة مقتدرة بفنون وبلاغة التعبير الراقي. أحد أبناء أسرتنا الذين حطوا رحالهم في مصر، قال لي عندما قرأ أول حلقة من “سرديات الهروب من أم درمان” “:والله شعرت كأنه يكتب ويعبِّر عني شخصياً “.فقلت لابننا” :لماذا لا تكتبون جميعاً مثله توثقونها للتاريخ؟ ذكريات الشيخ بابكر بدري، رحمه الله، صارت مرجعاً تاريخياً حياً بين الأجيال. هكذا يُكتَب التاريخ “.هنيئاً للأستاذ الأديب عبد الفتاح عبد السلام بصبره على إنجاز هذا الكتاب الرائع المفصّل الشامل المفيد.

قبل ثلاثة أعوام، في آخر أسبوع من يناير عام ألفين وثلاثة وعشرين، ودَّعتُ -ومعي أسرتي- الوطن الحبيب، على أمل العودة كما تعوَّدنا نهاية كل عام وبداية كل شتاء. كان الوداع تلك المرة على غير العادة، حاراً وثقيلاً، خاصة وداعنا للأشقاء والشقيقات والأبناء، لأن إحساسنا في كل مرة -والموت حق” -أننا ربما لا نلتقي “مرة أخرى في هذه الحياة. ودَّعنا الناس والوطن بدموع حرى، وودَّعنا النيل الذي نحبه ويحبنا بنظرة واحدة من خلال شباك الطائرة وهي تقلع محلقة في سماء الخرطوم. تباعد -وهو يلمع في الظلام- بريق مجرى النيل رويداً رويداً، حتى صرنا لا نرى سوى عتمة ما تبقى من ليل يتهالَك ابتلع الطائرة فاختفت فيه عن الأنظار.

مرت أسابيع قليلة على مغادرتنا الوطن الذي تركناه، والأجواء السياسية فيه تغلي، وتحت أرضها بركان كلُّنا حذِر يخشى ثورته. وفجأة، للأسف الشديد، حدث ما كنا لا نريد ولا نتمناه للنفوس: حرب تدمر وطناً آمناً، وتفرق شعباً من أطيب الشعوب على الأرض. وفي فجر يوم نحِس لا يُنسى، رنَّ هاتفي، وكان المتحدث شقيقي من الخرطوم يقول لي” :للأسف.. الحرب بدأت”.

تخيلت نفسي أن تلك الليلة الأخيرة قبل نشوب الحرب، كانت ليلتهم مع بقية أسرتنا الممتدة. على لسانهم، أصف الموقف باختصار:

تهادى الليل في خطواته وهو يستشرف نهاية رحلة كانت محسوبة ساعاتها. الهدوء لا يشق صمته شيء سوى خرير انسياب ماء نيلٍ صديق، كريم عطوف، يحرس الأرض، عينُه لا تنام. الطقس كان صَحْواً. السماء صافية. فجأة… شمَّ النسيم الرقيق رائحة غريبة تزكم الأنوف، فقام من سباته مذعوراً. تعكَّرت السماء وتغير لون إشراقات فجر كان ينتظر لحظة خروج الشمس بعد اكتمال المخاض، لكنه تعسَّر. اهتزت الأرض من فرط ثورة بركان الخراب. فنادى منادٍ” :قوموا يا قوم يا نائمين، هبُّوا فقد حلَّ الموت والعذاب”.

فقمنا مذعورين، واستجبنا للنداء.

خرجنا لا نعرف وجهة هروب.

لا تفكير ولا وجهة نظر.

أصابنا الذعر والاضطراب.

خرجنا من كل شباك، ومن كل باب.

سافرنا غصْباً، والغصب جرم كبير.

فيه ذلٌّ وامتهان.. والذل مُهين إذا فقد الأمان.

ودعنا الوطن وكل الديار.

لا هدف.. لا خيار.

لم يودعنا قريب أو بعيد سوى الصدى:

صَدى الذكريات،

صَدى لقاءات الأحباب،

صَدى الصلوات والترانيم،

صَدى جلساتنا والأغنيات الحبيبة،

صَدى قبور أحبابنا.

كان الوداع دخاناً في كل دار:

دخان دانة وبندقية،

دخان حرب لا تخدم قضية.

فرَّقتنا، وباعدت بيننا، وشتتتنا.

ضيَّعت كل شيء:

كل ما اقتنيناه، ومستقبلاً كان يبتسم.

ضيَّعت حتى الهوية، وأنست أمجاد الزمان.

فالمجد صار، في زمنها، للبندقية.

يارب لطفك وسترك فتلم الكل، يعودون سالمين غانمين طيبين إلى الديار الحبيبة، وشوفة بالعين في الوطن الحنين بعد أن فرقتهم السنين.

“أنا البحر في أحشائه الدر كامن …..فهل سألوا الغواص عن صدفاتي”.

نعم، وطننا السودان “بحر كبير في أحشائه الدر كامن”!

رحم الله الشاعر حافظ إبراهيم.

عبدالمنعم

Alarabi AA © Sudanile January 2026

aa76@me.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

قالوا “الكون إتطور”

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي بعد ان شبعت بطون البعض من حكام أقطار هذا العالم العجيب …