مختار العوض موسى
ما دلالات دخول مجلس مجلس الصحوة الثوري بقيادة موسى هلال في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع المليشيا؟ وإلى أي مدى يعني ذلك تحول الصراع من معادلة “دولة ضد تمرد” إلى صراع “أهلي–أهلي” طويل الأمد؟ أم أن الأمر قد يكون بداية النهاية للمليشيا؟
يمكن قراءة إعلان موسى هلال انضمامه إلى القوات المسلحة السودانية بوصفه محاولة لإعادة التموضع داخل معادلة الحرب، بما يمنحه غطاءً سياسياً مختلفاً عن أدواره السابقة، ويعيد تقديمه في صورة حليف للدولة لا مجرد قائد قوة مسلحة محلية، خاصة في بيئة دارفور المعقدة.
كما أن دخول قوات مجلس الصحوة الثوري إلى المشهد العسكري في السودان يفتح الباب أمام عدة قراءات استراتيجية؛ فهذه الخطوة لا تحمل دلالات عسكرية فحسب، بل أبعاداً اجتماعية وقبلية وسياسية أيضاً. ويمكن النظر إلى الأمر من زاويتين رئيسيتين.
الزاوية الأولى تتمثل في احتمال تحول الصراع إلى صراع أهلي طويل الأمد، إذا دخلت قوات موسى هلال في مواجهة مباشرة مع المليشيا. فذلك قد يفتح الباب أمام صراع داخل الحاضنة الاجتماعية نفسها في دارفور، بسبب تشابك الانتماءات القبلية؛ إذ ينتمي هلال إلى قبيلة المحاميد، إحدى بطون الرزيقات، بينما تستند المليشيا بقيادة محمد حمدان دقلو إلى الحاضنة القبلية ذاتها تقريباً. وهو ما قد يحول أي مواجهة إلى انقسام اجتماعي يزيد المشهد تعقيداً وضبابية.
في هذه الحالة قد تتحول الحرب الجارية، التي تُقرأ في إطار صراع بين الدولة والمليشيا، إلى صراع داخلي داخل البيئة الاجتماعية نفسها، خاصة مع دخول قوى قبلية مسلحة كانت حتى وقت قريب بعيدة عن واجهة المشهد. وهو ما قد يؤثر في سرعة حسم المعركة، أو يطيل أمدها، بل وربما يفتح الباب أمام مخاطر تفكك أمني أوسع يُشار إليه أحياناً بمصطلح “الصوملة”.
أما الاحتمال الثاني، فيتمثل في أن يكون دخول موسى هلال إلى المشهد بداية لنهاية المليشيا، إذا اعتُبر عاملاً مسرعاً لتفككها من داخل حاضنتها الاجتماعية. فمع انقسام القواعد القبلية التي اعتمدت عليها المليشيا في التجنيد والانتشار، قد تتراجع قدرتها على الاستمرار، خاصة إذا نجح هلال في استقطاب بعض القبائل أو المجموعات التي كانت تدور في فلكها.
وفي حال تحقق ذلك، فقد ينجح هلال في سحب جزء من الشرعية القبلية التي استندت إليها المليشيا، وفي الوقت نفسه إعادة توجيه ميزان القوة في دارفور، عبر خلق توازن جديد قد يسرّع نهاية التمرد المسلح.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أي الاحتمالين أقرب؟
الإجابة تتوقف إلى حد كبير على طبيعة دخول موسى هلال إلى المشهد. فإذا جاء دخوله في إطار مساندة واضحة للدولة، ضمن ترتيب سياسي وأمني منظم، فقد يساهم ذلك في تسريع نهاية المليشيا. أما إذا دخل بوصفه فاعلاً قبلياً مستقلاً يسعى لتصفية حسابات أو تثبيت نفوذ محلي، فقد يتحول الصراع إلى حرب أهلية متعددة الأطراف.
وانطلاقاً من هذا السياق، لا يمكن قراءة استباحة منطقة مستريحة من قبل المليشيا كحدث عسكري عابر في سياق الحرب الدائرة، بل كواقعة تحمل دلالات اجتماعية وسياسية قد تتجاوز حدود القرية نفسها، وربما تعيد رسم خريطة الولاءات داخل دارفور.
فالرمزية في المجتمعات القبلية ليست أمراً هامشياً؛ إذ غالباً ما تُقرأ الاعتداءات على مناطق النفوذ بوصفها مساساً بالمكانة والهيبة. ومن هذا المنظور قد يُنظر إلى ما جرى في مستريحة باعتباره اعتداءً على مركز نفوذ تقليدي لزعامة قبلية لها حضورها في المشهد الدارفوري، وهو ما قد يفتح الباب أمام ردود فعل تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
كما قد يؤدي استهداف مستريحة إلى إعادة التفكير في التحالفات القائمة؛ إذ قد ترى بعض المجموعات القبلية في ما حدث تجاوزاً لخطوط غير مكتوبة داخل التوازنات الاجتماعية، ما قد يدفعها إلى مراجعة موقعها في الصراع، أو على الأقل إعادة تقييم علاقتها مع الأطراف المتحاربة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن انقلاب قبلي واسع ضد المليشيا لا يزال سابقاً لأوانه. فدارفور اليوم ليست كما كانت قبل عقدين؛ إذ تراجعت مركزية الزعامات التقليدية، وتعددت مراكز القوة داخل القبيلة الواحدة، كما خلقت سنوات الحرب الطويلة شبكة معقدة من المصالح والارتباطات يصعب تفكيكها بسرعة.
إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة الحرب الحالية في السودان تتجاوز الإطار القبلي التقليدي، إذ تتداخل فيها حسابات السلطة والسياسة والاقتصاد إلى جانب العامل العسكري. ولهذا فإن أي اصطفاف قبلي محتمل لن يتحدد فقط بردود الفعل العاطفية، بل أيضاً بميزان القوة على الأرض وبالضمانات التي يمكن أن تقدمها الدولة لمن ينحاز إليها.
ومع ذلك، تبقى مستريحة أكثر من مجرد قرية تعرضت لهجوم؛ فقد تتحول إلى لحظة رمزية في مسار الحرب تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يمكن أن تنقلب بعض الحواضن الاجتماعية التي ساهمت يوماً في صناعة المليشيات ضدها اليوم؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تتحدد في بيانات الحرب ولا في ضجيج الأسافير، بل في التحولات البطيئة داخل المجتمع الدارفوري نفسه؛ حيث تُصاغ القرارات الكبرى أحياناً في مجالس الصلح والقبائل، لا في غرف العمليات العسكرية.
فإذا كانت الحروب تُحسم في الميدان، فإن نهاياتها الحقيقية كثيراً ما تُكتب في المجتمع. وربما يكون ما جرى في مستريحة مؤشراً مبكراً على أن المعركة لم تعد مجرد معركة سلاح، بل معركة على الحاضنة الاجتماعية التي تمنح السلاح معناه وقوته.
ختاماً، تظل استباحة مستريحة لحظة مفصلية في الصراع، لأنها تمس رمزاً قبلياً كبيراً. وقد تؤدي إلى تعزيز موقع موسى هلال داخل بعض القبائل، وإعادة تشكيل التحالفات داخل دارفور، وزيادة الضغط الاجتماعي على المليشيا. غير أن تحقق اصطفاف قبلي واسع سيظل مرهوناً بقدرة موسى هلال على توحيد الخطاب القبلي، وبقدرة الجيش على تحويل هذا الاصطفاف إلى مشروع دولة، لا مجرد تحالف حرب.
وقد لا يكون دخول موسى هلال إلى المشهد مجرد تطور عسكري عابر، بل مؤشراً على تحولات أعمق داخل البنية الاجتماعية للصراع في دارفور. فالحروب المسلحة لا تنهار فقط تحت ضغط السلاح، بل عندما تبدأ الحواضن الاجتماعية التي غذتها في التآكل من الداخل. وإذا ما بدأت بعض القبائل التي شكلت العمق الاجتماعي للمليشيا في إعادة النظر في اصطفافاتها، فإن ذلك قد يمثل نقطة تحول استراتيجية في مسار الحرب.
غير أن هذا التحول – إن حدث – لن يكون سريعاً ولا حاسماً في المدى القريب، لأن شبكات المصالح والارتباطات التي نشأت خلال سنوات الحرب لا تنهار بين ليلة وضحاها. لكن التاريخ السوداني، وتاريخ الحروب الأهلية عموماً، يثبت أن لحظات الانكسار الكبرى تبدأ غالباً من داخل البيئة التي صنعت القوة نفسها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه تطورات مستريحة ليس فقط من سينتصر عسكرياً، بل أي معسكر سيحتفظ بالحاضنة الاجتماعية التي تمنح السلاح شرعيته واستمراريته.
mokhtaralawad@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم