هل أشرقت الشمس من النافذة الخطأ؟

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
منذ تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان في عام 1983 على يد الدكتور جون قرنق دي مبيور ورفاقه، لم يكن الهدف مجرد تمرد عسكري في أطراف السودان، بل كان مشروعاً سياسياً وفكرياً شاملاً، يحمل رؤية متكاملة لما عُرف لاحقاً بـ “السودان الجديد”. هذه الرؤية انطلقت من قناعة راسخة بأن الأزمة السودانية ليست أزمة الهامش ضد المركز فحسب، وإنما أزمة بنية دولة تأسست على الإقصاء منذ الاستقلال عام 1956، حين ورثت النخب المركزية السلطة من المستعمر دون أن تبني عقداً اجتماعياً جديداً يضمن المشاركة العادلة لجميع المكونات القومية والإثنية والثقافيّة. تصور قرنق أن الوحدة يمكن أن تكون جاذبة إذا قامت على أسس جديدة من العدالة والمواطنة المتساوية، حيث تُمنح كل أقاليم السودان فرصاً متساوية في التنمية والسلطة والثروة. لم يكن حديثه عن “السودان الجديد” مجرد شعار سياسي، بل رؤية لإعادة صياغة هوية الدولة السودانية لتستوعب كل شعوبها. لذلك جذب مشروعه تعاطف قوى سياسية ومدنية خارج الجنوب، خصوصاً وسط قوى التقدم في الشمال وشرق وغرب السودان، التي رأت في هذا المشروع مخرجاً من دائرة التهميش والإقصاء. لكن النخب السياسية في الخرطوم لم تنظر إلى المشروع من زاوية جوهره أو مضامينه، بل ركزت على هوية صاحبه. تماماً كما تساءل اليهود قديماً بعد ميلاد المسيح: “أمن الناصرة يخرج شيء صالح؟”، تعاملت هذه النخب مع قرنق باعتباره “جنوبيّاً متمرداً” لا يحق له أن يطرح مشروعاً لوحدة السودان على أسس جديدة. هنا بدأت المعضلة التاريخية: مشروع وطني جامع، لكن يُرفض بسبب الجهة التي خرج منها، لا بسبب محتواه. مع وصول الجبهة الإسلامية القومية إلى السلطة عبر انقلاب 1989، أخذ الصراع بعداً أكثر حدة. فقد طرح الإسلاميون مشروعاً أحاديّاً تحت مظلة “المشروع الحضاري”، يقوم على فرض هوية عربية/إسلامية للدولة السودانية، دون اعتبار للتعدد. وبدلاً من معالجة جذور الأزمة، جرى تعبئة عشرات الآلاف من الشباب تحت لافتة “الجهاد”، ودُفعوا إلى ميادين القتال في جنوب السودان، ظناً أن الحسم العسكري سيُنهي الحركة الشعبية. لكن حسابات الإسلاميين لم تصمد أمام صلابة الجيش الشعبي لتحرير السودان، الذي أثبت قدرته على الصمود والمناورة، وحوّل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة. وهكذا بدأت الخرطوم تبحث عن بدائل سياسية، فأعادت فتح ملف تقرير المصير، الذي كانت تستخدمه من قبل كورقة ضغط لتقسيم الحركة الشعبية على أسس عرقية وإثنية. ومع مرور الوقت، وجدت نفسها مضطرة للقبول به في اتفاقية السلام الشامل عام 2005، وهو الاتفاق الذي وضع نهاية للحرب الطويلة، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام خيار الانفصال. شكل رحيل الدكتور جون قرنق في يوليو 2005 نقطة تحول مأساوية، إذ فقدت الحركة الشعبية قائدها المفكر وصاحب الرؤية. ومع غيابه، تراجع خطاب “السودان الجديد” داخل الحركة، وصعدت بدلاً منه أصوات تميل إلى خيار الانفصال باعتباره الطريق الأسهل لإنهاء معاناة الجنوب. وبغياب قرنق، لم يعد المشروع السياسي الوحدوي يحظى بنفس الزخم الفكري والقيادي، وهو ما انعكس لاحقاً في مسار الأحداث. في استفتاء 2011، اختار شعب جنوب السودان الانفصال بنسبة ساحقة، ليصبحوا الدولة الأحدث في العالم. كان الأمل حينها أن يمثل الاستقلال بداية عهد جديد من الحرية والتنمية، وأن تتحقق أحلام شعب عانى طويلاً من التهميش والحروب. لكن سرعان ما تبددت تلك الآمال. فبعد عامين فقط، اندلعت الحرب الأهلية في ديسمبر 2013 نتيجة صراعات على السلطة داخل النخبة الحاكمة، لتعيد البلاد إلى دائرة الدم والانقسام. ومع طول أمد الحرب، انهار الاقتصاد، وتراجعت الخدمات الأساسية، وارتفعت معدلات النزوح واللجوء، ليجد المواطن البسيط نفسه أمام واقع أكثر قسوة مما كان يتوقع. جدلية الفشل الموروث والمفارقة الكبرى أن جنوب السودان بعد الانفصال لم ينجُ من داء الدولة السودانية الأم: النخبوية، الصراعات على السلطة، غياب الرؤية الوطنية الجامعة، واستغلال الانقسامات العرقية لتحقيق مكاسب سياسية. وكأن شمس الاستقلال التي انتظرها الشعب قد أشرقت من النافذة الخطأ، فألقت بظلالها الثقيلة بدلاً من أن تنير الطريق. لقد كان حلم “السودان الجديد” مشروعاً قابلاً لأن يشمل الجنوب والشمال معاً، لكن غياب الإرادة السياسية، وارتهان النخب لصراعاتها الضيقة، جعل المشروع يتبخر. والنتيجة أن الدولة الوليدة ورثت أخطاء السودان القديم، بدلاً من أن تؤسس لنموذج جديد يضاهي التجارب الاخري في مرآة إفريقيا مثل تجارب الدول الأخرى مثل؛ 1. إريتريا: الاستقلال الممزوج بالاستبداد تشبه تجربة جنوب السودان إلى حد كبير تجربة إريتريا التي خاضت حرباً طويلة ضد إثيوبيا، ونالت استقلالها عام 1993 بعد استفتاء شعبي. لكن سرعان ما تحولت آمال الحرية إلى واقع من الاستبداد تحت حكم الحزب الواحد، وغابت الديمقراطية، وانهار الاقتصاد بفعل الحروب الحدودية والعزلة الدولية. مثل جنوب السودان، حصل الشعب على “دولة مستقلة”، لكنه لم يحصل على “حرية حقيقية”. 2. إثيوبيا: الفيدرالية والهوية المتشظية في المقابل، تبنت إثيوبيا بعد سقوط نظام منغستو عام 1991 نموذج الفيدرالية القومية الذي منح القوميات حق تقرير المصير. ورغم أنه بدا حلاً تقدمياً في البداية، إلا أنه سرعان ما تحول إلى سيف ذي حدين، إذ عمّق الانقسامات العرقية وأشعل حروباً أهلية، أبرزها حرب تيغراي الأخيرة. وهذا يعكس أن مجرد الاعتراف بالتنوع لا يكفي، إذا لم يُبنَ على مشروع وطني جامع يتجاوز القبلية والعرقية. 3. جنوب إفريقيا: النموذج المختلف أما جنوب إفريقيا فتقدم المثال الأكثر نجاحاً في القارة. بعد عقود من الفصل العنصري، تمكنت من بناء دولة ديمقراطية تعددية عبر مشروع وطني شامل بقيادة نلسون مانديلا وحزب المؤتمر الوطني الإفريقي. سر نجاح التجربة أن القيادة التاريخية اختارت التسوية السياسية على حساب الثأر، واعتمدت خطاب “المصالحة والعدالة الانتقالية”، فانتقلت البلاد من الحرب إلى الديمقراطية دون أن تتفتت. يمكن أن نستنتج ان الدروس المستفادة من استقلال جنوب السودان؛ 1. إن تجربة جنوب السودان أقرب إلى إريتريا وإلى حد ما إثيوبيا، حيث حصل الشعب على استقلال سياسي دون أن يصحبه تحول ديمقراطي أو بناء مؤسسات قادرة على إدارة التنوع. 2. على النقيض، يثبت نموذج جنوب إفريقيا أن الانتقال السلمي والناجح ممكن، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الوطنية الجامعة، وتم تقديم المصلحة العامة على نزاعات النخب. إن الإجابة على سؤال: “هل أشرقت الشمس من النافذة الخطأ؟” لا تكمن في الماضي وحده، بل في خيارات الحاضر التي يصنعها الجنوبيون اليوم. فإذا استمر استنساخ تجارب السودان الأم أو تكرار سيناريوهات إريتريا وإثيوبيا، فإن الدائرة ستظل مغلقة، والشمس ستظل مشرقة من النافذة الخطأ. لكن إذا استلهم الجنوب السوداني تجربة جنوب إفريقيا، وفتح نافذة جديدة قائمة على العدالة والمصالحة وبناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية، فإن شمس المستقبل قد تحمل وعداً جديداً لشعب عانى كثيراً. فالمسألة ليست في “النافذة” التي دخل منها الضوء، بل في البيت الذي نُعيد بناءه ليحتوي ذلك الضوء.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …