هل إسرائيل دولة ديمقراطية ؟ ( 9 – 12 ) .. بقلم : ندى عابدين سليمان

Nadaa701@gmail.com
مقدمة . 
إستعرضنا في حلقات سابقة غزل وإفتتان الأستاذ عثمان ميرغني بديمقراطية إسرائيل . ولوكان الأستاذ عثمان ميرغني يقفل باب منزله عليه  ، ويتدله في حب إسرائيل وديمقراطيتها ، لما إضطررننا لتدبيج هذه السلسلة من المقالات لتفنيد وتعرية مفاهيمه المغلوطة  ، أو هكذا نزعم   ، وإن كان بعضه أثماً   . ولكنه ينفث  أفكاره  المسمومة في عموده المقرؤ في صحيفته الواسعة الإنتشار ( التيار ) ، وعلى شاشات التلفزيون ، مما دفعنا لمحاولة  وقف تشويه المخيلة السودانية ، وضبط البوصلة ، وإعادة الأمور الفالتة إلى نصابها .
وقطعاً لم يسمع الأستاذ عثمان ميرغني بمقولات مانديلا عن فلسطين ؟
قال مانديلا : 
إن حريتنا في جنوب افريقيا لن تكتمل إلا بحصول الفلسطينيين على حريتهم . 

ونستميح القارئ اللبيب في الرجوع إلى الأبجديات والمسلمات ، لأنه قد يكون من المفيد  ، أحياناً ،  فتح الأبواب المفتوحة ، وتنقيط الحروف المنقطة . 
ونبدأ  من طقطق  بتعريف الديمقراطية ،  ونتفق على هذا التعريف العالمي  الذي إبتدره  آباء  الديمقراطية  في أثينا  القديمة   ، 4 قرون قبل ميلاد يسوع الناصرة …  ارسطو وإفلاطون ( المدينة الفاضلة )  وسقراط   وديجون صاحب المصباح الشهير !   ثم نقارن  هذا التعريف المعياري بما تجري ممارسته في إسرائيل  ، لنرى هل يمكن أن نطلق على ما تتم ممارسته في إسرائيل ديمقراطية  معيارية  ، كما بشر بها افلاطون في مدينته الفاضلة ؟ 
تتوكأ  الديمقراطية المعيارية   الحقة (  ديمقراطية  اثينا القديمة )      على عكازين  : 
+ العكاز الأول  هو مبدأ حكم  الأغلبية ، 
+ العكاز الثاني والذي لا يقل أهمية عن العكاز الأول هو حماية حقوق الأقلية  ، إن كانت أقلية دينية  ،   أو إثنية  ، أو سياسية  ، او طائفية  ، او ثقافية  ، أو ما رحم ربك .
كل عكاز مكمل للآخر ، وبدونه يصير غير ذات قيمة أو جدوى . 
بدون هذين العكازين مع بعض في آن واحد  ، تسقط الديمقراطية كما سقط الملك سليمان في زمن غابر عندما بدأت دابة الأرض تاكل من سآته . 
في كلمة كما في مية  ، بدون هذين العكازين ، لا تُوجد ديمقراطية ولا يحزنون . 
لتوضيح الصورة ، دعنا ناخذ مثال لديمقراطية حقة  أصلية ماركة اثينا  تتوكأ على هذين العكازين في آن  ، ومثال ثان لديمقراطية مخجوجة ماركة إسرائيل ، تتوكأ على عكاز واحد هو عكاز الأغلبية ولا تعترف بالعكاز الثاني … عكاز حماية  حقوق الأقلية   . 
2-  الديمقراطية الحقة ماركة أثينا  ؟ 
نزعم إن الديمقراطية المُمارسة في امريكا هي ديمقراطية تتوكأ على العكازين ، ديمقراطية تحترم حقوق الأقليات  .
دعنا نستعرض  كمثال لتوضيح هذه المسالة  ثلاثة قصص  لثلاثة رواد  للحقوق المدنية في امريكا : 
*  اليزابيث إيكفورد ( 1957 )  ، طالبة في المرحلة  الثانوية ؛  
* روبي بريدجيز  ( 1960 ) ، طفلة في مرحلة الأساس ؛  
* جيمس ميريديث ( 1962 )  .  طالب جامعي . 
3-  اليزابيث إيكفورد  ( 1957 ) !
في سبتمبر 1957حكمت المحكمة العليا  بحق  الشابة  السوداء اليزابيث إيكفورد ( 16سنة )  الدستوري في دخول مدرسة ثانوية مخصصة للبيض فقط  في ولاية اركنساس  ! رفض حاكم ولاية  اركنساس تفعيل امر المحكمة ، وأيده في ذلك برلمان الولاية  ، وتقريباً كل مواطني الولاية  البيض  العنصريين . ولكن الرئيس دوايت ايزنهاور أصر على حماية حق  اليزابيث إيكفورد الدستوري ( الأقلية )   حسب قرار المحكمة العليا ، وارسل الجيش الفيدرالي لتفعيل قرار المحكمة ، ضد إرادة (  الأغلبية ) ، التي طالبت بسحل اليزابيث .

برهن الرئيس  ايزنهاور على معيارية الديمقراطية في امريكا التي تصون حقوق الأقلية  ضد رغبات الأغلبية .  ودخلت اليزابيث التاريخ  .  
4-  روبي بريدجيز ( 1960 )  !
في مارس 1960  حمت الديمقراطية الامريكية المعيارية  حق الطفلة السوداء   روبي بريدجيز  الدستوري ؛  ونجحت  روبي في الدخول لمدرسة ابتدائية للبيض في نيوأورلينز مصحوبة بأربعة من  الضباط العسكريين الفيدراليين  لحمايتها من ( الأغلبية) .

ودخلت روبي التاريخ . 
5- جيمس ميريديث ( 1962 )  !
في عام 1962 ، حكمت المحكمة العليا  بحق جيمس ميريديث في الإلتحاق بجامعة ميسيسيبي البيضاء   . رغم غضب ( الأغلبية )  البيضاء الساحقة  في الولاية وفي عموم امريكا  ، أصدر الرئيس كينيدي أوامره للقوات العسكرية الفيدرالية بالتدخل لتنفيذ حكم المحكمة  ، وإيقاف عنف الطلاب البيض ( الأغلبية )  ، حماية  للحق  الدستوري  لجيمس  الفرد الواحد  ( الأقلية ) ! 

وفي 3 اكتوبر 1962 دخلت وحدات من الجيش الفيدرالي داخل جامعة ميسيسبي لتحمي حق جيمس الفرد ( الأقلية )  في الإستمرار في الجامعة  ضد  رغبة ( الغإلبية ) !

تجد الآن تمثال لجيمس ميريديث في مدخل جامعة ميسيسبي . 

6- الديمقراطية المخجوجة  ماركة المانيا النازية  ؟ 
في عام 1934 ، صار  ادولف هتلر  ( الحزب النازي )  القائد ومستشار الرايخ ، بعد وفاة الرئيس هندنبرج ، وبعد إنتخابات ديمقراطية في عام 1932 . ولكن ديمقراطية النظام النازي كانت ديمقراطية إنتقائية تتوكأ على عكاز واحد هو عكاز حكم الأغلبية من الجنس الآري  ، ولا تحترم حقوق الأقلية من الإثنيات الأخرى  . بل على العكس ، أرسل النظام النازي 6 مليون مواطن ألماني من اليهود إلى أفران الغاز في محنة الهولوكست  ، ومثلهم معهم من الغجر  وباقي الأقليات الإثنية . 
لم يكن النظام النازي نظاماً ديمقراطياً ، بل كان حسب أسمه نظاماً نازياً ، رغم إنه جاء عن طريق إنتخابات  ديمقراطية ، وكان يمثل إرادة ( الأغلبية ) .  ولكنه لم يقدم أي حماية لحقوق الأقلية ؛   بل أباد الأقلية  ، فإنتفت عنه صفة الديمقراطية  ، وصار نظاماً نازياً يبعث على الإشمئزاز والتقزز والقرف . 
7- الديمقراطية المخجوجة  ماركة إسرائيل ؟ 
تحدث إنتخابات ديمقراطية في إسرائيل يشارك فيها كل المواطنون الأسرائيليون  ، يهود وغيرهم  . ولكن النظام المعمول به في إسرائيل نظام فاشي يتوكأ على عكاز واحد هو عكاز حكم الأغلبية  للمواطنيين الإسرائيليين  اليهود حصرياً  . لا يحترم النظام في أسرائيل حقوق المواطنيين الأسرائيليين من غير اليهود من الأقليات العربية والمسيحية ( حوالي 20% من السكان ) ؟
المواطنون الإسرائيليون من غير اليهود مواطنون من الدرجة الثانية ، حقوقهم مهدرة في الدستور والقانون ، في العمل ، وملكية الأرض ، وفي التقاضي أمام المحاكم ، التي تحكم لصالح المواطن الإسرائيلي اليهودي حتى لوكان خصمه الإسرائيلي غير اليهودي ( العربي ) على  حق . لا تجد مواطن إسرائيلي من أصل عربي او مسيحي  في أي سفارة من سفارات إسرائيل .   مُحرم  على أي مواطن إسرائيلي من أصل عربي او مسيحي الإلتحاق بالجيش الإسرائيلي . بعض الشركات الخاصة ترفض تأجير الشقق  للمواطنيين الإسرائيليين من غير اليهود . 
يستولي المستوطنون الأسرائيليون  اليهود على أراضي المواطنيين الإسرائيليين العرب والمسيحيين بدعم من  المحاكم الإسرئيلية حسب الدستور والقانون . وإذا حكمت محكمة لصالح المواطن الإسرائيلي غير اليهودي  ضد المواطن الإسرائيلي اليهودي ، لا تنفذ الحكومة الحكم . 
إذن النظام المعمول به في إسرائيل نظام غير ديمقراطي لانه لا يقدم أي حماية لحقوق الأقليات ولا يعترف بدولة المواطنة  ، كما قال بها آباء  الديمقراطية  المعيارية في اثينا القديمة . 
المواطنون   الإسرائيليون  خيار  ( يهود )  وفقوس ( غير يهود  )   ،  حسب النظام المعمول به في إسرائيل . 
نحن هنا لا نتكلم عن الفلسطينيين في الضفة الغربية  وقطاع غزة ؛    وإنما عن المواطنيين الإسرائيليين من أصل عربي  ( عرب 1948 )  في داخل دولة إسرائيل  ، الذين يكونون اكثر من 20% من سكان إسرائيل . 
للأسف لن يقرأ الأستاذ عثمان ميرغني هذه السطور ، وسوف يستمر في التغزل والإفتتان بالديمقراطية الإسرائيلية ؟ 
8- الديمقراطية المخجوجة  ماركة السودان ؟ 
الأغلبية المخجوجة الممثلة في الحكومة المخجوجة  في السودان  : 
+ لا تحترم حق الأقليات الدينية في جنوب كردفان والنيل الأزرق ، وتصر على الهوية الأسلامية  الحصرية للدولة  ، لأن  هذه هي رغبة الأغلبية  . 
+ لا تحترم حق الأقليات الأثنية  في  دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق  والشرق ، وتصر على الهوية العربية   الحصرية للدولة  ، لأن  هذه هي رغبة الأغلبية  . 
تعامى أهل الإنقاذ   عن أن الديمقراطية مبنية على مبدأين ثانيهما الحفاظ على حقوق الأقليات رغم    أنف الأغلبية المخجوجة  الحاكمة  .
إذن لا ديمقراطية في السودان ، بل ديكتاتورية مخجوجة  والواضح ما فاضح ؟

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً