أحمد الملك
في خضم الحرب التي أنهكت السودان وأثقلت كاهل مواطنيه، تتفاقم معاناة الناس يوماً بعد يوم، ليس فقط في مناطق القتال، بل حتى في المناطق البعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة. فقد أصبح الغلاء سمة عامة للحياة اليومية، وشحّت الموارد الأساسية، وتراجعت الخدمات بصورة غير مسبوقة. المزارعون يواجهون صعوبة في تسويق منتجاتهم بسبب انهيار الأسواق وتعطل سلاسل الإمداد، وغلاء وشح الوقود الذي تعتمد عليه كل عمليات الإنتاج (كنتيجة للتضخم ولإفرازات حرب أمريكا وايران) فيما يكافح المواطنون للحصول على الدواء والكهرباء ومتطلبات الحياة الأساسية.
وفي الوقت الذي تتعمق فيه هذه الأزمة الإنسانية، يبرز سؤال ملحّ: هل أصبح الشعب السوداني رهينة لأصحاب المصالح الذين يرون في استمرار الحرب طريقاً لتحقيق أهداف سياسية، بينما يدفع المواطن البسيط الثمن من أمنه ومعيشته ومستقبل أبنائه؟
لقد تجاوزت معاناة النازحين كل الحدود، فالملايين الذين اضطروا إلى ترك منازلهم يواجهون ظروفاً قاسية في مناطق النزوح، بينما يجد الذين عادوا إلى مناطقهم أنفسهم أمام واقع لا يقل مرارة؛ خدمات متوقفة، ومؤسسات إنتاج معطلة، وممتلكات مدمرة، وغلاء متصاعد تغذيه معدلات التضخم المرتفعة والانهيار المستمر للعملة الوطنية، فضلاً عن تزايد الأعباء والرسوم الحكومية.
إن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن إنهاء هذه المأساة يبدأ بوقف الحرب. فاستمرار القتال لا يحقق سوى المزيد من الدمار والانقسام وإطالة أمد معاناة المواطنين. كما أن أي حديث عن مستقبل السودان لا يمكن أن يتجاوز مطلب العدالة والمحاسبة لكل من أسهم في صناعة الأزمات والحروب التي أنهكت البلاد على مدى عقود، وأدت إلى خسائر فادحة في الأرواح والموارد ووحدة الوطن.
لقد قدّم السودانيون تضحيات جسيمة من أجل الحرية والكرامة وبناء دولة تقوم على الحقوق والمواطنة وسيادة القانون. ومن الصعب تصور أن تُطوى هذه الصفحة أو تُنسى التضحيات والدماء التي بُذلت من أجل مستقبل أفضل. فالشعوب قد تصبر على المعاناة، لكنها لا تنسى حقوقها ولا تتخلى عن تطلعاتها إلى السلام والعدالة والاستقرار.
ويبقى الأمل قائماً في أن ينتصر صوت السلام على صوت السلاح، وأن تتجه الجهود الوطنية نحو وقف الحرب واستعادة مسار الدولة، بما يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، ويمنح السودان فرصة حقيقية للخروج من أزمته وبناء مستقبل يستحقه أبناؤه.
لا_للحرب
ortoot@gmail.com
