هل السودان لن يكون كما هو؟ قراءة في نبوءة د. جون قرنق وسياق الانهيار البنيوي للدولة السودانية

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
حين قال الدكتور جون قرنق دي مبيور إن السودان «لن يكون
كما هو The Sudan is not going to be the same»، لم يكن يطلق عبارة عاطفية أو نبوءة غامضة، بل كان يقرأ مسار دولة تشكّلت اختلالاتها منذ لحظة ميلادها الحديث. كانت الجملة خلاصة وعي تاريخي عميق بدولة فشلت في بناء عقد اجتماعي عادل، واستعاضت عن المواطنة بالولاء، وعن التنمية بالسيطرة، وعن السياسة بالقوة. ما نشهده اليوم من انفجار شامل في العنف، وتفكك في مؤسسات الدولة، ليس حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من الإقصاء والتهميش. منذ الاستقلال، ظل السودان يُدار بعقلية المركز المسيطر الذي يحتكر السلطة والثروة ويمنح الأطراف دورًا هامشيًا في القرار الوطني. لم يكن التهميش خللًا عابرًا، بل سياسة ممنهجة أعادت إنتاج نفسها عبر أنظمة مختلفة، مدنية كانت أو عسكرية. فالأقاليم البعيدة عن المركز لم تُحرم فقط من التنمية والخدمات، بل جُرّدت أيضًا من حقها في تعريف نفسها داخل الدولة. هكذا تحوّل التنوع الثقافي والإثني إلى عبء في نظر السلطة، لا إلى مصدر إثراء وطني، وصار الاختلاف مدعاة للشك لا للاعتراف. في ظل هذا الواقع، نشأ وعي سياسي متدرج داخل المجتمعات المهمشة. في البداية كان وعيًا صامتًا، يعبّر عن نفسه بالشكوى والاحتجاج المحدود، لكنه مع تراكم الخيبات تحوّل إلى وعي ناقد يربط بين المعاناة اليومية وبنية الدولة نفسها. لم يعد السؤال متعلقًا بسوء إدارة هنا أو فساد هناك، بل أصبح سؤالًا جذريًا عن طبيعة السلطة، وعن من يملك حق تقرير المصير داخل الدولة الواحدة. هذا التحول في الوعي هو ما أربك النخب الحاكمة، لأنه كسر السردية القديمة التي كانت تُحمّل الهامش مسؤولية تخلفه. تصاعد العنف في السودان لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا التحول. فحين تُغلق السياسة أبوابها، يصبح العنف لغة بديلة. وحين تُختزل الدولة في جهاز قمعي، يتحول الصراع من مطالب إصلاح إلى مواجهة وجودية. العنف هنا ليس حكرًا على جماعات بعينها، بل صار سلوكًا عامًا، تستخدمه السلطة والمعارضة المسلحة على حد سواء، في غياب مشروع وطني جامع قادر على إدارة الخلاف سلمياً. المفارقة أن الدولة التي رفعت شعار الحفاظ على الوحدة، أسهمت عمليًا في تفكيك المجتمع. فبدل معالجة جذور الأزمة، لجأت إلى عسكرة الهويات، وتسليح الانقسامات، واستخدام بعض المكونات ضد أخرى. ومع الوقت، فقدت الدولة احتكارها للعنف، وتحولت إلى واحدة من أطراف الصراع، لا إلى حكمٍ بينها. وهنا تحديدًا بدأت ملامح الانهيار البنيوي، حيث لم يعد المواطن يرى في الدولة مرجعًا للحماية أو العدالة. لم تكن النخب السياسية بمعزل عن هذا الفشل. فحتى اللحظات التي وُصفت بأنها انتقالية أو ثورية، لم تنجح في كسر الحلقة المفرغة. ظلت نفس العقليات تحكم المشهد: إقصاء، محاصصات، تجاهل للهامش، وخوف من مواجهة الأسئلة الكبرى المتعلقة بهوية الدولة وشكلها. وهكذا، تحولت فرص التغيير إلى محطات لإعادة تدوير الأزمة، لا لحلها. انفصال جنوب السودان كان ذروة هذا الفشل، لكنه لم يكن نهايته. كان رسالة واضحة بأن الدولة السودانية، بصيغتها القديمة، عاجزة عن استيعاب تنوعها. غير أن هذه الرسالة لم تُقرأ بجدية، بل جرى التعامل معها كحالة استثنائية، لا كعرض لمرضٍ عميق. واليوم، تتكرر نفس الأسباب في مناطق أخرى، مع اختلاف السياقات، لكن بوحدة الجذر: التهميش، وغياب العدالة، وانسداد الأفق السياسي. السودان اليوم يقف عند مفترق طرق حاسم. فعبارة قرنق لم تعد تحذيرًا مستقبليًا، بل توصيفًا راهنًا. السودان تغيّر بالفعل، لكن التغيير جاء في شكل انهيار لا في شكل إعادة بناء. السؤال المطروح الآن ليس هل سيعود السودان كما كان، بل هل يستطيع أن يولد من جديد على أسس مختلفة. وهذا يتطلب شجاعة سياسية وأخلاقية للاعتراف بالمظالم التاريخية، والقبول بإعادة توزيع السلطة والثروة، وبناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، لا على الامتيازات الموروثة. إن استمرار إنكار الأزمة، أو محاولة إدارتها بالأدوات القديمة، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التفكك. أما الخروج من هذا النفق، فيبدأ بالاعتراف بأن السودان الذي عرفناه لم يكن عادلًا، وأن الحفاظ عليه بصورته القديمة لم يعد ممكنًا ولا مرغوبًا. عندها فقط يمكن لعبارة «لن يكون السودان كما هو» أن تتحول من نبوءة انهيار، إلى فرصة تاريخية لإعادة التأسيس، وبناء وطن يتسع لكل أبنائه، دون خوف أو تهميش أو إقصاء.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …