باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 7 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عادل ود سهل
عادل ود سهل عرض كل المقالات

هل انخفضت قيمة المواطن السوداني، قبل وبعد الحرب، بين الاغتراب الطوعي، والتشرد القسري

اخر تحديث: 7 سبتمبر, 2026 10:43 صباحًا
شارك

✍️ عادل ود سهل يكتب…
هل انخفضت قيمة المواطن السوداني، قبل وبعد الحرب، بين الاغتراب الطوعي، والتشرد القسري
أم انخفضت قيمة الوطن الذي كان يحمى هذه القيمة؟

مدخل… السؤال الذي لا بد أن نواجهه:
تأخذنا المفارقة اليوم إلى الوقوف أمام مرآة الواقع بغير مواربة؛ لنطرح السؤال الأكثر إيلاماً لضمير الأمة السودانية:
هل المأساة التي نعيشها اليوم في شتات الأرض أضعفت جوهر الإنسان السوداني، أم أن الذي تداعى هو ذلك السقف الوطني المنيع الذي كان يمنح هذه القيمة مهابتها ورعايتها بين الأمم؟
إن المواطن السوداني الذي كان يغادر وطنه بالأمس، لم يكن يخرج منه فاراً من جحيم، ولا باحثاً عن مجرد النجاة بجلده.
كان يخرج وفي يده عقد عمل، أو منحة دراسية، أو بعثة، أو فرصة تخصص، أو طلب صريح من دولة ومؤسسة تبحث عن خبرته.
كان يغادر الوطن وهو يحمل في وجدانه قيمةً مكتملة البناء، ويمثل بلداً كانت له هيبة، وكان لاسمه في كثير من البيئات المهنية والتعليمية وزنٌ يسبق صاحبه.
كان السوداني يُستقبل لأنه مطلوب.
لم يكن السوداني يطرق أبواب العالم متوسلاً فرصة.
كانت الأبواب نفسها تُفتح له.
كان يُستدعى خبيراً، ويُنتظر معلماً، ويُطلب طبيباً، ويُستشار دبلوماسياً، ويُحتفى به أديباً.
وكانت الرحلة، مهما بعدت، تبدأ من موقع الاختيار.
أما اليوم، فقد انقلبت الصورة في حالات كثيرة.
يخرج السوداني من أرضه مجرداً إلا من ألمه؛ بلا عقد، ولا خطة، ولا بلد محدد، وربما بلا تذكرة عودة.
يقطع الفيافي والمحيطات، ولا يدري في أي مرفأ سينتهي به المطاف، ولا تحت أي سقف سيلقي عصا الترحال، ولا في أي مدرسة سيجلس أبناؤه، ولا بأي عمل سيبدأ حياته من جديد.
فهل تغير السوداني في ذاته وقيمته الإنسانية والعلمية؟
أم أن البيئة والمؤسسات والدولة التي كانت تصنع وتزن وتضمن هذه القيمة هي التي انهارت، فتركته مكشوفاً أمام العاصفة؟
وهل نحن أمام مجرد تغير في مستوى المعيشة؟
أم أمام انتقال فاجع من موقع الاختيار إلى موقع الاضطرار؟

كيف صُنعت الشخصية السودانية الحديثة؟
لم تكن القيمة التي عرف بها السوداني هبة مجانية هبطت من السماء، ولا انطباعاً عابراً نشأ صدفة في أذهان الآخرين.
كانت ثمرة عمل مؤسسي واجتماعي طويل.
فالمدرسة لم تكن مجرد مكان لتحصيل العلم.
والجامعة لم تكن مجرد مصنع للشهادات.
والخدمة المدنية لم تكن مجرد وظيفة.
والقضاء لم يكن مجرد مهنة.
والجيش والشرطة لم يكونا مجرد مؤسستين نظاميتين.
كانت هذه كلها، إلى جانب الأسرة والحي والمسجد والنادي والمجتمع، أجزاءً من عملية طويلة لصناعة الإنسان السوداني الحديث.
من خور طقت ووادي سيدنا وحنتوب، إلى جامعة الخرطوم ومؤسسات التعليم العالي، تشكلت طبقة من التعليم النظامي الذي لم يكتفِ بتعليم الحساب واللغة والعلوم، وإنما أسس لثقافة العمل والانضباط والمسؤولية.
ثم جاءت الخدمة المدنية لتضيف إلى العلم معنى الالتزام.
وجاء القضاء ليمنح القانون مكانته.
وجاءت المهن الطبية والهندسية والتعليمية والإدارية لتربط المعرفة بخدمة الناس.
لكن أعظم ما صنعته تلك المرحلة لم يكن تخريج الموظف أو التكنوقراط.
كان صياغة شخصية متكاملة الأركان.
شخصية تجمع بين التحصيل العلمي والالتزام المهني من جهة، وبين منظومة قيمية واجتماعية عميقة من جهة أخرى:
توقير الكبير، تقدير المعلم، حرمة الجار، وفاء الصديق، النجدة، عزة النفس، القناعة، تحمل المسؤولية.
والقدرة على أن يعيش الإنسان ببساطة دون أن يشعر أن البساطة تنقص من قدره.
ولم تكن المدرسة وحدها التي فعلت ذلك.
كان وراءها مجتمع كامل يراقب ويهذب ويكمل ما بدأه الفصل الدراسي.
كان المعلم صاحب مهابة، لا موظفاً يؤدي ساعات عمل.
وكانت الأسرة تحاسب ابنها على سلوكه خارج البيت كما تحاسبه على درجاته داخله.
وكان اسم الإنسان لا يخصه وحده؛ فقد كان يعلم أن خطأه قد يُحسب على أسرته، ومدرسته، وقريته، وبلده.
ولهذا، حين خرج السوداني إلى العالم، لم يكن يحمل شهادته وحدها… كان يحمل معه وطناً مصغراً.
لم يكن يحمل مهنته وحدها، بل كان يحمل تربيته.
وهذه ليست نوستالجيا عاطفية إلى زمنٍ مضى.
لقد كان ذلك رأس مال اجتماعي حقيقياً.
فالبيت الذي يعرف حرمة الضيف، والحي الذي يعرف بعضه بعضاً، والمعلم الذي لا يُعامل كموظف عابر، والجار الذي يرى مرض جاره شأناً يخصه، والكبير الذي يكفي أن يدخل المجلس حتى تتغير هيئة الجالسين… كانت كلها مؤسسات غير مكتوبة لصناعة الشخصية.
كان المجتمع يعرف الواجب قبل الحق، والعيب قبل القانون، والكرامة قبل المكسب.
ولهذا لم يكن نجاح السوداني في الخارج ثمرة شهادته وحدها.
كان يضع على مائدة العالم علماً ومهنةً… ومعهما تربية وطن كامل.
وكانت القناعة جزءاً من ذلك التكوين.
فالقناعة ليست فقراً، والبساطة ليست تخلفاً، والعيش بالقليل ليس عجزاً.
كان السوداني يستطيع أن يعيش حياة بسيطة وهو يشعر بكرامته.
وكان يمشي بين الناس بوقار جيل عرف كيف يصنع من البساطة كرماً، ومن التعب قوة، ومن الاستقامة مهابة.

حين كان العالم يطلب السوداني… شهادة الكواري نموذجاً:
حين نبحث عن شهادات خارجية تصف مكانة السوداني في مراحل بناء الدول العربية الحديثة، فإن شهادة الأستاذ حمد بن عبد العزيز الكواري – في مقاله الذي ضجت به الأسافير – تكتسب أهمية خاصة.
ليست لأنها شهادة سوداني عن السودانيين، بل لأنها شهادة قطري عن السودانيين.
إنها شهادة رجل عاش بنفسه مرحلة تأسيس مؤسسات دولة حديثة، ورأى السودانيين وهم يدخلون إلى تلك المؤسسات من أبواب الخبرة والمعرفة.
وفي مقال نشره الكواري حديثاً، استعاد تجربته في تأسيس وزارة الخارجية القطرية عام 1972، وقال إن السودان كان حاضراً منذ البدايات؛ وذكر أن محجوب مكاوي، وكيل وزارة الخارجية السودانية السابق، كان أول خبير في وزارة الخارجية القطرية، وأن عدداً من الخبراء الذين استعانت بهم السفارات القطرية الناشئة كانوا سودانيين. كما روى أن السفير السوداني في باريس بشير البكري رشح له الشاعر السوداني صلاح أحمد إبراهيم عندما كان سفيراً شاباً هناك، وأن الطيب صالح كان من أوائل من أسهموا في مسيرة الإعلام والثقافة في قطر، وارتبط اسمه بتجربة مجلة (الدوحة).
إن أهمية هذه الشهادة لا تكمن في عدد السودانيين الذين عملوا في قطر.
بل في نوع الوظيفة التي أدّوها.
كانوا هناك عندما كانت المؤسسات تُرسم قبل أن تصبح مباني ووزارات وهيئات.
كان السودان في تلك المرحلة لا يرسل موظفين فقط.
كان يرسل خبرة دولة.
كيف تُدار وزارة.
كيف تعمل سفارة.
كيف تبنى مؤسسة ثقافية.
كيف تُصاغ الإدارة.
وكيف تتحول المعرفة إلى مؤسسة.
وهنا تكمن قيمة الشهادة كلها.
لم تكن قيمة أولئك السودانيين في أسمائهم وحدها، وإنما في أن دولةً أخرى، وهي تبني مؤسساتها، رأت في الخبرة السودانية شيئاً يستحق أن تبحث عنه وتستدعيه.
ومن هنا تبدو المفارقة موجعة:
بلد كان يبعث خبراءه للمساعدة في بناء مؤسسات الآخرين، انتهى بعد عقود عاجزاً عن حماية كثير من مؤسساته هو.
ولهذا فإن شهادة الكواري ليست مجاملة.
إنها نافذة نطل منها على زمن كان فيه اسم السودان نفسه يحمل شيئاً من الثقة.
كان السوداني يُستدعى إلى العالم لأنه مطلوب.
عندما كانت الخبرة السودانية ثروة عالمية:
ولم تكن الدبلوماسية والثقافة والخدمة المدنية وحدها ميدان الحضور السوداني.
امتدت الخبرة إلى الطب والهندسة والتعليم والقضاء والمحاسبة والإدارة والاقتصاد والزراعة وغيرها.
وكان الطبيب السوداني نموذجاً بارزاً.
ولنقف عند ما يدعم الرواية المتداولة عن الحوار الشهير في برنامج ( الثامنة) مع داود الشريان على قناة MBC.
حيث تتطابق عدة روايات منشورة عن الحلقة التي تذكر أن المشاهد السعودي اتصل معترضاً على راتب طبيب سوداني بلغ 200 ألف ريال، ثم جاء اتصال من مدير مستشفى أو مسؤول صحي أوضح أن المسألة لم تكن طبيباً واحداً، وإنما طبيبين سودانيين، هما الدكتور سعيد أحمد إبراهيم في مستشفى الملك فهد بجدة، والدكتور عبد الله عثمان الزبير في مستشفى الحرس الوطني بالرياض، وأنهما استُقطبا من بريطانيا، وقد دُفع مليون ريال لكل منهما لإنهاء تعاقده في لندن.
وبما أن التسجيل الأصلي للحلقة لم يظهر لنا حتى الآن في أرشيف MBC المفتوح، فإننا نتعامل مع هذه التفاصيل باعتبارها رواية موثقة بالنقل المتعدد، لا وثيقة أصلية منشورة.
لكن حتى بهذه الدرجة من التحفظ، تبقى دلالة القصة عظيمة.
فالقضية لم تكن في رقم الراتب وحده.
القضية أن مؤسسة صحية كانت مستعدة لدفع ثمن مرتفع للحصول على عقل طبي سوداني.
لم يكن الطبيب يومها يبحث عن أي عمل يقبله.
كان هو وخبرته في موقع يستطيع فيه الآخرون أن يتنافسوا على استقطابه.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة:
قيمة الإنسان لا تظهر فقط فيما يدفعه له الآخرون، وإنما في مقدار ما يملكه من قدرة على الاختيار والتفاوض.
من هنا تصبح المقارنة بين الأمس واليوم أكثر وجعاً.
قد يكون الطبيب السوداني اليوم أكثر علماً مما كان عليه نظيره قبل أربعين عاماً، وقد يكون المعلم أكثر اتصالاً بالعالم، والمهندس أكثر معرفةً بالتكنولوجيا، والأكاديمي أكثر قدرةً على الوصول إلى المعرفة.
لكن الحرب واللجوء والحاجة قد تدفع أحدهم إلى قبول عملٍ أو أجرٍ لا يعكس شيئاً من تأهيله الحقيقي.
هذه ليست قصة راتب.
هذه قصة انتقال الإنسان من موقع الاختيار إلى موقع الاضطرار.
وهذا النموذج لم يكن وحده.
كان الطبيب، والمهندس، والمعلم، والأستاذ الجامعي، والقاضي، والخبير الإداري، والدبلوماسي، والباحث، والضابط.
الهجرة في كثير من صورها القديمة لم تكن مجرد حركة خروج بحثاً عن الرزق؛ كانت نقلاً للخبرات السودانية إلى العالم.

الموجة الأولى… البعثة والخبرة:
إذا أردنا أن نفهم الاغتراب السوداني تاريخياً، فلا ينبغي أن نضع كل المراحل في سلة واحدة.
فقد كانت هناك موجة مبكرة من السفر تقوم على البعثة والتأهيل واكتساب الخبرة.
يخرج الطالب السوداني إلى بريطانيا أو الولايات المتحدة أو ألمانيا أو غيرها، لا لأنه هارب من وطنه، وإنما لأنه ذاهب إلى جامعة أو معهد أو مستشفى أو مركز بحثي.
يذهب ليعود.
يذهب ليحصل على الدكتوراه، أو الزمالة، أو التخصص، أو التدريب.
ثم يعود إلى الجامعة أو المستشفى أو المؤسسة التي ينتظره فيها وطنه.
كانت الرحلة في جوهرها استثماراً في الإنسان.
الوطن يرسل ابنه إلى العالم لكي يعود العالم معه إلى الوطن.
وهذه نقطة فارقة، فالهجرة لم تكن دائماً تعني الانقطاع.
كان كثير من السودانيين يسافرون وهم يفكرون في موعد العودة.

الموجة الثانية… السوداني وبناء مؤسسات الخليج:
ثم جاءت مرحلة مختلفة مع الطفرة النفطية والتوسع الكبير في بناء مؤسسات دول الخليج.
فأصبحت السعودية والكويت وقطر والإمارات وعُمان والبحرين، إلى جانب دول عربية أخرى، وجهات رئيسية للخبرات السودانية.
ذهب السوداني معلماً، وطبيباً، ومهندساً، وأستاذاً جامعياً، ومحاسباً، وقاضياً، وإدارياً، وضابطاً، وخبيراً.
ولم يكن معنى ذلك أن السودانيين وحدهم بنوا تلك الدول؛ فنهضتها قامت على جهود شعوب وخبرات عربية وآسيوية وعالمية كثيرة.
لكن السوداني كان واحداً من روافد الخبرة العربية التي أسهمت في مراحل البناء المؤسسي والتعليمي والصحي والإداري.
كان يذهب غالباً بعقد، ويعرف راتبه، ويعرف مكان عمله، ويعرف أين يسكن، وكان بإمكانه أن يخطط، يبني بيتاً في الخرطوم، يدرس أبناءه، يساعد أسرته، يرسل المال إلى أهله.
ثم يعود.
كان الاغتراب مشروعاً.
ولذلك لم يكن المغترب السوداني القديم يشعر بالضرورة بأنه فقد وطنه.
كان يشعر أنه يعمل بعيداً عنه من أجله.

الموجة الثالثة… هجرة العقول حين بدأت العودة تتأخر:
ثم بدأ شيء آخر يتغير.
لم تعد كل الرحلات مرتبطة بعقد محدد المدة أو بعثة تنتهي بالعودة.
بدأت هجرة العقول.
الطبيب الذي وجد فرصاً أكبر في بريطانيا.
الأستاذ الذي وجد مختبراً أفضل في أمريكا.
المهندس الذي وجد مشروعاً أكبر في الخليج.
الباحث الذي وجد جامعة توفر له ما لا يستطيع وطنه توفيره.
وهنا بدأ السودان يفقد شيئاً مهماً:
ليس فقط الأموال.
بل الوقت والخبرة المتراكمة.
والأخطر أن كثيراً من هؤلاء ظلوا متعلقين بالسودان.
يعودون في الإجازات.
يدرسون، يعالجون، يتبرعون، يبنون، يساعدون المؤسسات، ويحاولون أن يردوا بعض ما أخذوه من وطنهم.
وهكذا كان السوداني، حتى وهو بعيد، يحاول أن يبقي خيطاً بينه وبين بلده، لكن ذلك الخيط بدأ يضعف، وبدلاً من أن تكون الهجرة دائرة:
خروج → تأهيل → عمل → عودة → بناء
أصبحت في حالات كثيرة:
خروج → عمل → استقرار → أسرة → إقامة دائمة.
وهنا بدأ الاغتراب يتحول تدريجياً من مرحلة في حياة السوداني إلى حياة كاملة خارج السودان.

من الخليج إلى أقاصي الأرض… السوداني الذي لم تحاصره الجغرافيا:
ومع تغير الظروف، لم يعد السوداني محصوراً في المهاجر التقليدية.
امتد إلى أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا واليابان، وإلى بلدان آسيوية وأفريقية، وإلى أمريكا اللاتينية.
ولم يكن هذا الانتشار وليد عصر الإنترنت.
فمنذ عقود طويلة كان هناك سودانيون يعبرون المحيطات إلى أماكن بعيدة لا يعرفها كثير من أبناء وطنهم إلا من الخريطة.
ومن القصص التي تستحق التوقف عندها قصة أحمد حسن مطر.
تتناقل الذاكرة السودانية حوله روايات كثيرة، حتى إن بعض الروايات الشعبية تقول إنه حكم دولة تشيلي لمدة أربع وعشرين ساعة.
هذه الرواية لم نجد لها حتى الآن سنداً تاريخياً كافياً، ولا نقدمها الآن باعتبارها حقيقة.
لكن الحقيقة الموثقة أكثر إثارة من الأسطورة نفسها.
فالمكتبة الوطنية في تشيلي تحتفظ بكتاب ضخم بعنوان:
(Guía social de la Colonia Árabe en Chile)
صدر في سانتياغو عام 1941، ويقع في نحو 380 صفحة، وكان أحمد حسن مطر هو الذي قام بجمعه وإدارته، برعاية النادي الفلسطيني في سانتياغو.
أي أن سودانياً كان في تشيلي، على الجانب الآخر من العالم، في ذلك الزمن البعيد، يجمع ويوثق بيانات جالية عربية واسعة، ويصدر عنها دليلاً اجتماعياً ضخماً.
والأغرب أن الكتاب لم يكن مجرد اسم على غلاف.
فالمصادر التشيلية التي تتبعت الكتاب تستشهد به في توثيق أسماء وأسر عربية موزعة في مدن كثيرة من تشيلي، من الشمال إلى الجنوب.
وهذا يؤكد أن أحمد حسن مطر الذي وصل إلى تشيلي، وترك وراءه كتاباً محفوظاً في المكتبة الوطنية التشيلية منذ عام 1941، ليس حكاية.
إنما هو وثيقة.
وهذه القصة وحدها تكفي لتقول لنا إن السوداني لم يكن ابن الخليج وحده.
ولم يكن ابن لندن أو واشنطن وحدهما.
لقد كان قادراً على الوصول إلى أقصى الجغرافيا.
لم تكن للسودان سفارات في كل مكان… لكن كان له سودانيون في كل مكان.
من تشيلي إلى اليابان، ومن أستراليا إلى أوروبا، ومن صحاري أفريقيا إلى مدن العالم البعيدة.
كان السوداني يذهب حيث توجد الحياة… وكان يحمل معه قدرته على التكيف.

ثم دار الزمن دورته… من الاختيار إلى الاضطرار:
وأن هنالك شيئاً قد انكسر… لكن لم يحدث ذلك في يوم واحد.
فقد بدأت الدولة تضعف، وتراجعت المؤسسات، وضاقت الفرص، وتزايدت الصراعات.
حتى جاءت حرب 15 أبريل 2023، فحولت الهجرة من خيار فردي إلى مصير جماعي.
هنا تبدلت فلسفة الرحلة كلها.
والفارق بين الزمنين يمكن اختصاره في جملتين فقط:
كان السوداني القديم يغادر وطنه وهو يقول:
أنا ذاهب لأعمل.
أما كثير من السودانيين اليوم فيغادرونه وفي صدره سؤال أشد قسوة:
أنا ذاهب لأنجو.
الأولى اغتراب.
والثانية تشرد.
الأولى تبحث عن فرصة.
والثانية تبحث عن أمان.
الأولى تحمل مشروعاً.
والثانية تحمل ذاكرة بيتٍ تركته خلفها.
المغترب القديم:
كان المغترب القديم يشتري تذكرة، لا يشتري نجاة. يحمل عقداً موقّعاً، لا خوفاً معلّقاً. يعرف جهة عمله، ويعرف راتبه، ويختار سكنه كما يختار ثوبه، ويخطط لمستقبل أبنائه وكأن الغد ملكٌ بيده، ويعرف – في الغالب – يوم عودته قبل أن يسافر.
أما المشرد القسري اليوم:
فيخرج محمولاً على الخوف لا على الأمل، تاركاً باب بيته مفتوحاً كأنه يودّع لا يغلق. لا يحمل من الدنيا إلا حقيبة صغيرة، وقلباً أصغر منها حزناً. لا يعرف إن كان سيعود، ولا إلى أي مدينة سيصل، ولا تحت أي علمٍ سينام، ولا متى تضع هذه الرحلة أوزارها.
هذه ليست قصة انخفاض راتب.
وليست قصة تغير سوق العمل.
إنها قصة انتقال الإنسان السوداني من موقع الاختيار إلى موقع الاضطرار.

الخريطة الجديدة… حين يصبح الجوار ملجأً لا سوقاً للعمل:
وهنا تظهر واحدة من أكثر التحولات دلالة.
كان الاغتراب السوداني القديم يستدعي مدناً كــ:
الرياض، جدة، الكويت، الدوحة، أبو ظبي، لندن، واشنطن، برلين، باريس…
أما خريطة اللجوء بعد الحرب فقد أصبحت مختلفة تماماً.
أصبح الجوار السوداني نفسه جزءاً من أكبر موجات اللجوء:
تشاد، مصر، جنوب السودان، ليبيا، إثيوبيا، أفريقيا الوسطى، كينيا، أوغندا…
وبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء من السودانيين في العالم بنهاية 2025 نحو 3.8 مليون شخص، وكانت الدول المجاورة والقريبة تستضيف النسبة الأكبر منهم.
وهنا يجب ألا ننظر إلى تلك الدول نظرة استعلاء.
فبعضها فتح أبوابه للسودانيين في أصعب ساعاتهم.
لكن دلالة الخريطة تظل موجعة.
بالأمس كان السؤال:
أين توجد الفرصة الأفضل التي تتناسب مع خبرتي؟
أما اليوم فقد يصبح السؤال:
أين توجد فرصة للحياة والأمان؟
انتقل معيار الرحلة من:
النمو والتطور…
إلى: البقاء.

عندما يهاجر السوداني إلى من هم أفقر منه:
ولعل أكثر التحولات إيلاماً أن السوداني الذي كان يذهب إلى بلد يبحث فيه عن فرصة مهنية أو تعليمية، أصبح اليوم قد يجد نفسه لاجئاً في دول تعاني هي نفسها من الفقر ومحدودية الموارد.
ليس في ذلك انتقاص من تلك الدول.
ولا من شعوبها.
ولا من كرامة اللاجئ.
ولكنه يكشف انهيار معيار الرحلة.
لم يعد الإنسان يختار المكان الذي يرفع مستوى حياته.
بل المكان الذي يستطيع أن يعيش فيه.
وهذه هي المأساة الحقيقية.
أن يصبح الإنسان مستعداً لقبول أي فرصة، في أي مكان، وبأي شروط، لأنه لم يعد يملك ترف السؤال: هل هذه الفرصة تليق بي؟
بل أصبح يسأل: هل تكفيني لأعيش؟

الوطن البديل… حين تتأسس الحياة في المنفى:
والشتات ليس أرقاماً فقط.
وراء كل رقم بيت، ووراء كل بيت قصة.
ومع امتداد السنوات، تزوج سودانيون من نساء من المجتمعات التي عاشوا فيها.
في أفريقيا، وآسيا، وأوروبا، والخليج، وغيرها.
وُلد الأبناء.
ثم الأحفاد.
وبُنيت البيوت.
وتأسست الأعمال.
ودخل الأطفال المدارس.
وأصبح البلد الذي ذهب إليه الأب أو الجد للعمل وطناً ثانياً… وربما وطناً بديلاً.
وهنا تبدأ مأساة من نوع آخر.
فقد كان السؤال القديم: متى نعود إلى الخرطوم؟
أما الأجيال التي ولدت خارج السودان فقد يصبح السؤال بالنسبة إليها مختلفاً: إلى أي وطن أعود؟
فالطفل الذي ولد في بلد آخر، وتعلم في مدارسه، وتحدث لغته، وحمل جوازه، ولعب في شوارعه، قد يعرف السودان من صورة الجد.
من حكاية الأب.
من طبق سوداني في مناسبة.
من أغنية.
من علم.
من اسم قرية بعيدة.
وهكذا بدأت الغربة نفسها تنجب أجيالاً سودانية جديدة.
أجيالاً تحمل السودان في الذاكرة، وتحمل وطناً آخر في الحياة اليومية.

من إرسال الحوالة إلى استهلاك المدخرات وانتظار الإغاثة:
وهنا ربما تكمن واحدة من أقسى المفارقات.
كان المغترب السوداني القديم شرياناً للأسرة والوطن.
فقد كان يداً ممدودة أبداً نحو الوطن، لا نحو نفسه: يرسل الحوالة فتصير بيتاً، ويمول تعليم إخوته فيصير شهادة، ويزوّج بناته وشقيقاته فيصير فرحاً، ويشتري الأرض فتصير مستقبلاً، ويشارك في بناء مسجدٍ أو مدرسةٍ أو مركزٍ صحي فيصير أثراً باقياً بعد رحيله.
كانت يده يد عطاء، ورأسماله كله يتدفق نحو وطنه كما يتدفق النيل نحو أرضه، لا يعرف اتجاهاً آخر.
أما المشرد اليوم:
فقد انقلبت يده في اتجاهها انقلاباً موجعاً: صارت يداً مفتوحة لا لتُعطي، بل لتنتظر.
ينفق مدخرات سنواتٍ طويلة على إيجارٍ يتغير كل شهر، وإقامةٍ يبحث عنها كمن يبحث عن هواء، وتذكرةٍ جديدة، وعلاجٍ مؤجَّل، حتى يستهلك من رصيده ما بناه ليبقى حياً لا ليبني وطناً.
وقد يجد نفسه يترقب مكالمة من أخ، أو حوالة من قريب، أو سلة إغاثة من غريب.
بالأمس، كان السوداني هو من يُرسل الحوالة إلى الوطن.
واليوم، قد يكون هو من ينتظرها، ليبقى فقط خارج الوطن.
وهذا ليس تبدلاً في رقم مصرفي، بل انقلاب كامل في معنى أن تكون إنساناً منتجاً:
من يدٍ تُعطي إلى يدٍ تنتظر، ومن رافدٍ يغذّي رأس المال إلى نهرٍ ينضب يستهلك من ذاته ليبقى حياً.

هل انخفضت قيمة السوداني فعلاً؟
وهنا نصل إلى جوهر السؤال.
هل انخفضت قيمة المواطن السوداني؟
الحقيقة تقول إن السوداني اليوم، خصوصاً في أوساط شبابه وكفاءاته، أكثر تعليماً وانفتاحاً على العالم، وأكثر استخداماً للتقنية، وأكثر اتصالاً بالمعرفة، وأقدر على التعامل مع أدوات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي واللغات والأسواق العالمية.
إذن لا يمكن أن نقول ببساطة:
إن السوداني القديم كان أفضل، وإن السوداني الجديد فقد قيمته.
هذه إجابة سهلة، والحقيقة أكثر تعقيداً.
هناك فرق بين: قيمة الإنسان.
و
قدرة الإنسان على إظهار هذه القيمة واستثمارها.
الفرد قد يحتفظ بعلمه، وبذكائه، وبخبرته، وبأخلاقه، وبقدرته على العمل.
لكن ماذا يحدث إذا انهارت المؤسسة التي تحمي هذه القيمة؟
ماذا يحدث إذا أصبحت شهادته بلا اعتراف؟
وماذا يحدث إذا اضطر الطبيب إلى قبول عمل لا يليق بتخصصه؟
وماذا يحدث إذا اضطر المهندس إلى العمل في مهنة أخرى؟
وماذا يحدث إذا أصبح الأكاديمي يبحث عن أي وظيفة؟
وماذا يحدث إذا خرج الإنسان من بلده لا يحمل معه عقداً، وإنما يحمل فقط صفة لاجئ؟
هنا لا تكون المشكلة في قيمة الإنسان وحدها.
بل في موقعه التفاوضي.
فقيمة الإنسان تظهر أيضاً في مقدار ما يملكه من حق الاختيار.
أن تقول لا… حين يكون من حقك أن تقول لا.
أن تختار العمل… لا أن تختار النجاة.
أن تفاوض على راتبك… لا أن تفاوض على مكان تنام فيه.
أن تختار الدولة التي تذهب إليها… لا أن تبحث عن دولة تقبلك.
فالمرتب لا يساوي الإنسان.
واللجوء لا يلغي التاريخ.
والخيمة لا تختصر الوطن الذي جاء منه ساكنها.
الإنسان السوداني لم يفقد قيمته؛ الذي تغير هو الشروط التي يظهر فيها أمام العالم.
وهنا نعود إلى السؤال الأول:
هل انخفضت قيمة السوداني؟
ربما لم تنخفض القيمة بالقدر الذي انخفضت فيه القدرة على حماية هذه القيمة وإظهارها.

الوطن الذي كان يحمي القيمة:
ربما تكون هذه هي النقطة التي ظل المقال كله يبحث عنها.
فالإنسان لا يعيش منفرداً عن وطنه.
الدولة تمنحه وثيقة، وتمنحه تعليماً، وتمنحه مؤسسات، وتمنحه حماية قانونية، وتمنحه سفارة حين يكون بعيداً، وتمنحه سمعة وطنية تسبقه حين يدخل سوقاً أو جامعة أو مؤسسة.
عندما يكون الوطن قوياً، يستطيع المواطن أن يحمل جوازه وفي داخله شيء من قوة ذلك الوطن.
وحين يضعف الوطن، يصبح المواطن مضطراً إلى حمل نفسه وحدها.
ولهذا فإن المشكلة ليست أن السوداني فقد فجأة العلم أو الذكاء أو النزاهة.
لقد فقد جزءاً كبيراً من البيئة التي كانت تجعل هذه الصفات قابلة للتحويل إلى قوة.
لقد بقي الفرد.
لكن تداعى السقف.
وبقيت الخبرة.
لكن ضعفت المؤسسة.
وبقيت الرغبة في العطاء.
لكن ضاقت قنوات العودة.
وبقي حب الوطن.
لكن الوطن نفسه صار في كثير من الحالات مكاناً يحتاج الإنسان إلى النجاة منه قبل أن يستطيع التفكير في العودة إليه.

السودان الذي كان يرسل أبناءه… والسودان الذي يبحث عنهم:
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها.
كان السودان يرسل أبناءه إلى الخارج ليعودوا.
ثم أصبح الخارج يحتفظ بأبنائه لأن الداخل لم يعد قادراً على استيعابهم.
ثم جاء زمن آخر.
أصبح الداخل يطرد أبناءه من دون أن يقصد.
الحرب لا تسأل: هل أنت طبيب؟ هل أنت أستاذ؟ هل أنت مهندس؟ هل أنت طالب؟ هل أنت تاجر؟ هل أنت عامل؟
الحرب تسأل فقط:
هل تستطيع النجاة؟
وهكذا يصبح الطبيب لاجئاً، والأستاذ لاجئاً، والمهندس لاجئاً، والطالب لاجئاً، والتاجر لاجئاً، والفلاح لاجئاً، والعامل لاجئاً.
فتتساوى المهن جميعاً أمام سؤال واحد: أين يمكن أن نعيش؟
وهنا لا يكون الوطن قد خسر مواطنين فقط، بل خسر تراكم أجيال من الخبرة.

ولكن… هل انتهت الحكاية؟
لا.
لأن الإنسان السوداني الذي استطاع أن يصل إلى تشيلي سنة 1941، وأن يوثق حياة جالية عربية في كتاب محفوظ حتى اليوم في المكتبة الوطنية التشيلية، لم يكن يحمل معه دولة قوية أو تقنيات عصرنا.
كان يحمل قدرته على المبادرة والتكيف والمعرفة.
والسوداني الذي عمل في مؤسسات الخليج الناشئة، لم يكن يملك كل ما تملكه تلك الدول اليوم، لكنه كان يملك شيئاً تحتاجه المؤسسات وهو:
المعرفة.
والطبيب الذي استقطبته المملكة من بريطانيا لم يكن ناجحاً لأن جوازه السوداني منحه امتيازاً.
كان ناجحاً لأنه حمل معه علمه وخبرته.
والسوداني الذي وصل إلى لندن وباريس وواشنطن وطوكيو وأستراليا لم يصل لأنه ابن دولة غنية.
بل لأنه تعلم أن يقف على قدميه في عالم واسع.
ولهذا فإن قيمة الإنسان السوداني لم تمت.
إنها مبعثرة.
في المستشفيات، في الجامعات، في الشركات، في المختبرات، في السفارات، في المدارس، في المزارع، في المصانع، وفي ملايين البيوت الممتدة على خريطة العالم.
السؤال ليس:
هل ما زال السوداني ذا قيمة؟
السؤال:
متى يستطيع السودان أن يجمع هذه القيمة من جديد؟

الخاتمة… السؤال الذي يورق في ركام الفجيعة:
إن المواطن السوداني لم يفقد جوهر أصالته، ولا معدن كرامته الإنسانية، كما لم تفقد أجياله الخضراء الطالعة القدرة على التعلم والمنافسة والإبداع في كل مضمار.
لكن الوطن الذي كان يمنحه الهوية، ويحوط قدره بالرعاية، ويرعى بعثاته، ويستقبل كفاءاته بإجلال الفاتحين، ويمنحه عزّة الاختيار… هو الذي أُصيب في مكمن مجده وقوامه.
وحين يضعف الوطن، لا تندثر قيمة الفرد فوراً، بل يُجرح كبرياؤه، وتقل قدرته على إظهار تلك القيمة واستثمارها، فتتحول خبراته المتراكمة من «مشروع بناءٍ وطنيٍّ شامخ» إلى شتاتٍ مأجورٍ وموزعٍ في بقاع الأرض.
وهكذا، مشينا في هذه الرحلة الطويلة والمرة:
• كان السوداني يخرج بالأمس لأنه مطلوبٌ بذاته…
• ثم أصبح يخرج لأنه يبحث عن فرصة…
• ثم أصبح يخرج لأنه يبحث عن سقف…
• ثم انتهى به المطاف يخرج اليوم فارّاً بطفله لاهثاً عن نجاة!
غير أني أربأ – بما حفظناه من شرف المعتزين بأرضهم – أن أضع نقطة النهاية عند سطر الفجيعة؛
فالسودان الذي أبدع من العدم طبيباً تلهث خلفه مستشفيات العالم، وأستاذاً تتنافس على عقله الجامعات، ومهندساً تشهد له شوارع المشرق والمغرب، ودبلوماسياً تُصاغ بعقله تجارب الدول الناشئة، وأديباً يُخلّد اسم «الدوحة» والخرطوم في ذاكرة الثقافة، ورحّالةً يعبر المحيط إلى تشيلي قبل أكثر من ثمانية عقود ليترك فيها وثيقة كرامته…

هذا السودان قادرٌ – برغم الوجع والركام – أن يلمع من جديد من تحت الرماد.

نحن لا نحتاج إلى إعادة اختراع الإنسان السوداني؛
فهو لا زال يحمل رصيداً متراكماً من التميز والخبرة والاستقامة، وما زالت في داخله القدرة على النهوض من جديد.
إنما نحتاج إلى إعادة بناء «الحصن» الذي يحمي هذا الإنسان…

نحتاج إلى دولة المؤسسات والقانون، والتعليم والصحة، والعدالة والسيادة الوطنية المطلقة.

نحتاج وطناً لا يضع ابنه بين خيارين أحلاهما مُرّ: إما إهدار كرامته، أو المخاطرة بسلامته!

وطنٌ لا يطلب من المواطن أن يستحيل بطلاً أسطورياً كي يضمن فقط لقمة عيشه وشربة ماء!

إن القضية في نهايتها ليست مجرد خطةٍ هندسية لإعادة أجساد السودانيين من المهاجر، ولا في إغلاق المنافذ أمام الرحيل؛ فالسفر حق، والاغتراب كسب.
القضية الأسمى والأعمق: كيف نبني وطناً إذا مال إليه أبناؤه راجعين، وجدوا في أحضانه من العزة والكرامة ما يجعلهم يستمسكون بالبقاء؟

وطناً لا يرجعون إليه كسرى، أو فارّين من فشل، بل يعودون إليه لأنهم نجحوا في إدراك قيمته وقيمتهم.
وهنا فقط، ينقشع الغبار ونقف على التخوم لنشهد الحقيقة الأشد صدقاً وإيلاماً:
لم يسقط الإنسان السوداني في امتحانه، بل سقط السقف المؤسسي الذي كان يظلله.

فالسوداني الذي خرج بالأمس مرفوع الهامة لأنه كان مطلوباً، والسوداني الذي يخرج اليوم مكسور الخاطر لأنه يطلب النجاة…
كلاهما نبتة أرضٍ واحدة، وعقل واحد، ودم واحد.

والفرق بينهما ليس في الموهبة ولا في الذكاء، بل في أن الأول خرج يسنده وطنٌ يثق به، والآخر خرج من بين يدي وطنٍ غدرت به النوائب فلم يستطع حمايته.

ومن هنا تبدأ معركتنا الحقيقية والأخيرة:

لا أن نعيد السوداني إلى السودان فحسب…
بل أن نعيد السودان – بهيبته وعدله ودفئه – إلى قلب السوداني.

ثم نلتفت إلى أفق الفجر الجديد، ونحن نفتح أبواب الوطن الشاسعة ذات صباح:

إذا كان السودان العظيم قد استطاع بالأمس أن يجعل العالم بأكمله يطلب أبناءه…

فهل نعجز اليوم عن بناء وطنٍ يجعل أبناءه هم الذين يتنافسون على العودة إلى أحضانه؟

ذاك هو الرهان الشريف…

وتلك هي معركة استرداد الكرامة الغائبة.

✍️ عادل ود سهل
الدوحة 7 سبتمبر 2026

adelsahl@gmail.com

Author
عادل ود سهل

عادل ود سهل

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
ويل للمختلفين! عبد الله النعيم، صديق الزيلعي والمحبوب عبد السلام
بيانات
الحركة المدنية السودانية للسلام الشامل: بيان بخصوص المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية–قطاع الشمال
منبر الرأي
لا داعي للذكاء الاصطناعي ، خلونا في الذكاء العادي احسن !!..
الأخبار
بي بي سي: الأزمة في السودان: حميدتي وحرب المرتزقة الضارية من أجل الذهب
منبر الرأي
د. سلمان وأضغاث أحلام فوائد سد النهضة… رؤية من منظور سبل كسب المعيشة المستدامة .. بقلم: د. محمد عبد الحميد

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الشيوعي والحلو وعبد الواحد: الثالوث غير المقدس المعطل لمسيرة الفترة الانتقالية .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري

طارق الجزولي
منبر الرأي

إستفتاء الجنوب و ضمان الحرية و النزاهة و الشفافية -2- بقلم: د. عمر بادي

د. عمر بادي
منبر الرأي

في ذكري الكروان مصطفي سيد أحمد السابعة عشر: تتجدد روائع الغناء للحبيبة الوطن. كتب صلاح الباشا

صلاح الباشا
منبر الرأي

الصحة والتعليم !! .. بقلم: خالد عويس

خالد عويس
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss