هل تُبتلع نيويورك عمدتها الاشتراكي: ممداني بين الشارع والمؤسسة

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com

ربما كان حضور الاشتراكي العجوز المعتق، بيرني ساندرز، وهو يتلو كلمات القسم لممداني كعمدة لنيويورك في يناير 2026، تحقيقاً لحلم استغرق الرجل طوال عمره السياسي المديد. ربما رأى في الشاب ممداني أن أحلامه بدأت تتحقق على يد شاب مسلم من أصل هندي، متجاوزاً منطق رأس المال أو متحدياً لسلطته.
شدّ انتباهي مشهد العجوز وهو يتلو القسم، ويد ممداني على القرآن، معجزة سياسية في قلب العالم الغربي. لحظة يلتقي فيها حلم اشتراكي أمريكي عمره عقود مع صعود جيل جديد يحمل هويات مركبة ويرفع شعار “Outside”. لكن وأنا أتأمل هذا المشهد، تذكرت رواية جاك لندن المخيفة “العقب الحديدية”، تلك النبوءة المظلمة عن قدرة الرأسمالية على سحق كل محاولة للتمرد. لفقد كان لندن يشرّح آلية عمل النظام الرأسمالي وكيف يمتلك القدرة على امتصاص التمرد، و كيف يحوّل الثوار إلى موظفين، كيف يبقى “العقب الحديدي” تسحق من يحاول ان يقاومها.
مع ذلك، الباب أمام ممداني يفتح على بحار يجب أن يخوضها، تحدي الرأسمالية في عقر دارها، وسط إدارة فيدرالية لا تحمي رأس المال فحسب، وإنما تمدد مناطق قوته وتعمّق هيمنته. ساندرز يمرر الشعلة، لكن هذه الشعلة قد تنطفئ قبل أن تصل إلى الهدف، أو قد تُستخدم لإضاءة الطريق ذاته الذي كانت تريد حرقه.
ففي خطاب تنصيبه وقف زهران ممداني ليعلن أنه “انتُخب كأشتراكي ديمقراطي وسيحكم كأشتراكي ديمقراطي”، ثم أشار إلى كلمة “Outside”، كان يضع نفسه في قلب معضلة فلسفية قديمة، كيف تحكم من الخارج وأنت جالس في الداخل؟ “Outside” هنا كلمة مفتاحية تتجسد على مستويين متداخلين. وجود اشتركي ديمقراطي على رأس الجهاز التنفيذي للمدينة، ما يشكل حالة شاذة ضمن منطق المدينة الرأسمالية، وعمدة من أصول هندية ومسلم يحمل روحاً صدامية وأحلام ملايين الشباب، ظاهرة تتحدى النظام الذي ستعمل فيه. إنه “خارجاً” بهويته، وبأيديولوجيته، وبقاعدته الشعبية، لكنه الآن “داخلاً” أعتى مؤسسة تنفيذية في أكثر المدن رأسمالية على وجه الأرض.
أرى أن هذه الثنائية “Outside/Inside” تطرح السؤال المركزي الذي سيحدد مصير تجربة ممداني (هل يمكن أن تظل “خارجاً” وأنت تحكم من “الداخل”؟)
و هل الموقع الجغرافي-المؤسساتي (كرسي العمدة) أقوى من الموقع الأيديولوجي-الطبقي (تمثيل الشارع)؟ وهنا تعود نبوءة جاك لندن لتطاردني: “العقب الحديدية” لا تسحق أعداءها بالقوة الغاشمة دائماً، بل تحتويهم، تستوعبهم، تحوّلهم إلى جزء من آليتها. الرأسمالية كنظام تتفوق في قدرتها على امتصاص أي تمرد فردي أو جماعي، وتحويله إلى مجرد “تحديث” للنظام نفسه.
وهنا تبرز معركة أخرى، حاسمة وإن كانت غير مرئية، معركة التسمية واللغة. فآلية الامتصاص لا تعمل بالضغط المؤسسي وحده، وإنما بترجمة مطالب الثوار إلى مصطلحات النظام نفسه، مما يفرغها من ثورتيها. مهمة ممداني، إذا أراد البقاء “خارجاً”، ليست فقط في تمرير سياسات، وإنما في استعادة اللغة المشتركة من سوق المصطلحات النيوليبرالية. عليه أن يروي قصة المدينة بشكل مختلف. ليس كآلة لخلق القيمة المالية، وإنما كنسيج حياتي تستحق فيه الصحة والسكن والمواصلات العامة أن تكون حقوقاً غير قابلة للخصخصة.
نيويورك، بوصفها عقدة مالية وعقارية وإعلامية، تتقاطع فيها مصالح رأس مال لا يعترف بالحدود، قد صممت مؤسساتها لتحويل كل “Outsider” إلى “Insider”. المسافة بينهما في هذه المدينة ضيقة حد التلاشي، لأن المدينة، بمنطقها الرأسمالي المكتفي بذاته، تعرف كيف تطوّع النزعات الثورية. الآلية بسيطة ومُحكمة. فمع دخول المؤسسة، تبدأ المؤسسة بإعادة تشكيلك. الكرسي الذي تجلس عليه ليس محايداً، إنه يحمل ذاكرة المنطق الذي بُني عليه، ويفرض قواعد اللعبة التي يجب أن تلعبها.
ثم جاءت اللحظة التي أضافت طبقة أخرى من التعقيد. لقاء ممداني بترمب في البيت الأبيض. ممداني الذي كال النقد اللاذع لترمب، يجد نفسه الآن وجهاً لوجه مع “Outsider” من نوع آخر. ترمب، برغم رأسماليته العتيقة، يقدّم نفسه كمتمرد على المؤسسة السياسية، كـ”خارج” يتحدى النخبة. هنا ينفجر التناقض الفلسفي. كيف يمكن لـ”خارج” اشتراكي أن يتقاطع مع “خارج” سياسي؟ هل يتحد الـ Outsiders ليشكلا حلفاً هجيناً يحطم قوانين المؤسسة التقليدية؟ أم أن كلاهما سيخضع في النهاية لـ”قوانين اللعب” الأمريكية؟
أعتقد أن الإجابة تكمن في فهم طبيعة “الداخل” و”الخارج” كقوى متصارعة، لا كمواقع ثابتة. “الداخل” هو المنظومة التي تحول كل تمرد إلى مؤسسة، وكل غضب إلى قانون، وكل رفض إلى لجنة. إنها القدرة اللامتناهية على الاحتواء الناعم، على تحويل الثوري إلى موظف، والراديكالي إلى براغماتي. فعندما تصبح عمدة نيويورك، فأنت تدخل شبكة معقدة من المصالح والضغوط. ميزانيات يجب إقرارها، علاقات مع المستثمرين يجب الحفاظ عليها، مفاوضات مع نقابات وشركات ومصارف، تسويات لا نهاية لها. كل قرار يُتخذ داخل هذه الشبكة يعيد إنتاج المنطق ذاته الذي بُنيت عليه المدينة.
أما “الخارج” فهو الشارع في حالته الخام، القوة التي لا تقبل المساومة، الرفض الذي لا يجد له مكاناً في جداول البيانات المالية، الحضور الجماهيري كفاعل حي لا كخزان أصوات يُستنفر كل أربع سنوات. “الخارج” هو المكان الذي لا يحكمه منطق الربح والخسارة، بل منطق العدالة والكرامة. لكن السؤال الحاسم الذي يؤرقني.. كيف تحافظ على هذا “الخارج” حياً حين تصبح أنت نفسك جزءاً من “الداخل”؟
وهذا يقودنا إلى المخرج الوحيد من نبوءة جاك لندن الكابوسية. فـ”العقب الحديدية” لا تخاف من الاحتجاج المؤقت، إنها تخاف من تحول “الخارج” إلى بنية تحتية موازية ودائمة. أي تحول الشارع من حالة غضب متفجرة إلى كيان تنظيمي قادر على المحاسبة اليومية. مجالس أحياء حقيقية الصلاحية، تحالفات مستأجرين تمتلك أدوات منع الإخلاء، نقابات قادرة على تنظيم عمال الاقتصاد الجديد. حينها، لن يكون ممداني مجرد حاكم يحاول البقاء مخلصاً، وإنما سيكون جزءاً من دائرة اتصال حية بين مؤسسة الحكم وشبكات القوة الشعبية المنظمة. ستكون شرعيته مستمدة من كونه المترجم المؤسساتي لإرادة كيانات قادرة على حمله على العهد. بهذا المعنى، قد تكون نيويورك مختبراً لشراكة دستورية جديدة بين المؤسسة المنتخبة والمؤسسات الشعبية الدائمة.
السياسة في نيويورك تتحرك وفق جاذبية القوى. إما أن تجذب الجماهيرُ السلطةَ نحو الشارع، أو تجذب المؤسساتُ العمدةَ نحو المركز. إما أن بظل ال “Outside” علاقة قوة حية تضغط يومياً على قرارات الحاكم، أو يتحول إلى لغة رمزية تُستهلك سريعاً في خطابات التنصيب والمناسبات الرسمية. إن لم يُترجم الوجود “خارجاً” السلطة الرمزية إلى قدرة فعلية على تقييد رأس المال، وإن لم ينجح ممداني في إبقاء “الخارج” حياً كفعل ضغط يومي، فإن “الداخل” سيلتهم خطابه ويحوله إلى مجرد “نكهة محببة” للتعددية الديمقراطية.
هنا يتجلى تحذير ماركس القديم، الذي يتقاطع مع نبوءة لندن. الاشتراكية الديمقراطية قد تكون طريقاً لتقييد الرأسمالية، أو قد تكون مجرد اعتذار أنيق منها للعمال. ماركس لم يرفض الإصلاحات، لكنه لاحظ قدرة النظام الرأسمالي الاستثنائية على “الامتصاص”. الاشتراكية الديمقراطية، من وجهة نظره، تعيد إنتاج الهيمنة نفسها في قالب أكثر إنسانية. تحوّل الاشتراكية من أداة تغيير جذري إلى آلية لتحسين شروط التعايش مع النظام.
الرأسمالية العالمية لا تمانع في وجود عمدة “ثورياً” طالما أنه لا يمس آليات تراكم القيمة. بل إنها تفضّل أحياناً هذا النوع من القيادات، لأنها تمنح النظام “شرعية أخلاقية” وتُظهره قادراً على استيعاب النقد والتغيير دون أن يتزعزع جوهره. هنا يكمن الخطر الحقيقي. أن يتحول ممداني إلى “لقاح” يقوي مناعة النظام، عبر إظهاره بمظهر المنفتح الذي يستوعب المعارضة، بدلاً من أن يكون “فيروساً” يعيد برمجة النظام من داخله.
إذا ظلّ الشارع حاضراً كفاعل – لا كديكور أو كمشروعية مستعارة – فقد تتحول “Outside” من استعارة ثقافية إلى ممارسة سياسية نادرة في مدينة اعتادت أن تبتلع عمّالها وعمداءها معاً. وإن انحسر دوره إلى التصفيق أو الاحتجاج الموسمي، فإن الاشتراكية الديمقراطية ستظل مجرد تحسين لشروط التعايش مع النظام، لا تهديداً له.
المحك الفلسفي لممداني ليس فيما سيقوله غداً، وإنما في قدرته على البقاء “خارجاً” وهو يجلس على كرسي “الداخل”. فمقولة ماركس مازالت تتردد بقوة بأن التغيير لا تصنعه النوايا الطيبة، وإنما موازين القوى الفعلية. وممداني لديه الآن فرصة نادرة لاختبار ما إذا كان “الخارج” يمكن أن يحكم فعلاً، أم أن الحكم نفسه هو ما يحوّل كل “خارج” إلى “داخل”.
وبهذا، قد يكون تراث ساندرز الحقيقي الذي يسلمه لممداني مصيره محكوماً بمعضلة “الخارج والداخل”.
والسؤال الذي يؤرقني، وربما يؤرق ساندرز العجوز وهو يشاهد الشاب يضع يده على القرآن، ليس ما إذا كان الحلم قد بدأ، وإنما ما إذا كان سيصمد عندما تبدأ المؤسسة في إعادة تشكيل من يجلس على كرسيها. “العقب الحديدية” لا تزال واقفة، والسؤال ليس عن نوايا ممداني، بل عن قدرة الشارع على أن يبقى قوة حية بذات البريق والتصميم الذي بدا في عيون الآلاف من الشباب والملونين والزنوج والبيض الاشتراكيين والذين يتحدثون بلغات الطير الذين رفعوا ممداني على كتوفهم تمنع “العقب الحديدية” من أن تسحق حلمهم كما سحقت أحلام من سبقوهم.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

وإذا معالم ثورة ديسمبر انتثرت.. وإذا مطامع أعدائها انكسرت

wadrajab222@gmail.comكتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميدلطالما سُجن التحليل السياسي للثورات في زاوية “الاحتياج”، وحاول البعض …