بقلم: لوال كوال لوال
شكّلت مشاركة شميلة ميرغني، وهو أحد أعضاء لجنة السلام الممثلين للمسيرية، ضمن وفد توجّه إلى مدينة نيالا وأعلن تأييده لما يُعرف بـ”حكومة التأسيس” برئاسة محمد حسن التعايشي، موجة واسعة من التساؤلات حول طبيعة الدور الذي تضطلع به لجنة السلام المجتمعية بين المسيرية ودينكا نقوك. فالمسألة هنا لا تتعلق بحق الأفراد في اعتناق مواقف سياسية، إذ يبقى هذا حقاً لا جدال فيه، بل تتعلق بمدى جواز توظيف صفة العضوية في لجنة أُسست أصلاً لتكون جسراً للتعايش بين مجتمعين متجاورين في محافظة المجلد ومنطقة ابيي، لا منبراً للانحياز في حرب أهلية ممزقة الأطراف. فشرعية لجان السلام المجتمعية لا تُستمد من نفوذ سياسي أو قوة عسكرية، وإنما من ثقة المجتمعات المحلية المتجاورة بها، وهي ثقة لا يمكن أن تصمد إذا تحوّل اسم اللجنة إلى غطاء لصراعات لا تمت بصلة إلى الغاية التي أُنشئت من أجلها. وكل عضو ينتسب إلى لجنة سلام يدرك، أو ينبغي أن يدرك، أن موقعه يحمّله مسؤولية أخلاقية وسياسية مضاعفة، إذ إن أي تصريح يصدر عنه قد يُفهم على أنه تعبير عن اللجنة أو عن المجتمع الذي يمثله، حتى لو كان يقصد التعبير عن رأيه الشخصي البحت. ويطرح ظهوره في وفد مؤيد لأحد أطراف الحرب سؤالاً جوهرياً: هل تحدّث بصفته الشخصية أم باسم اللجنة؟وقد تحدثت باسم اللجنة ورفعت تقريرا عن الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية فمن الذي منحه هذا التفويض؟ وهل قَبِل الطرف الآخر في اللجنة، أي مجتمع دينكا نقوك، بأن تتحول اللجنة إلى طرف في النزاع الدائر في السودان ام استغلال اسم دينكا نقوك كعادتهم في كافة المنابر وتنسب إليهم أشياء كثيرة لم يقولوا عنها منذ عقود ومستغلين المنابر النفاق في الخرطوم انذاك وهي الساقية مدورة؟ هذه ليست أسئلة شكلية، لأن قضية أبيي تتمايز جوهرياً عن سائر الملفات السودانية. فهي ليست خلافاً عادياً بين جماعتين داخل دولة مستقرة، بل قضية ذات بُعد قانوني وسياسي وتاريخي مرتبط باتفاقيات دولية وقرارات تحكيم موثّقة، ولا يمكن حلّها أو التعامل معها بمنطق الحرب الدائرة في السودان. ومن ثم فإن أي محاولة لربطها بالصراع القائم بين بورتسودان ونيالا تنطوي على خلط بين قضيتين مختلفتين تماماً في طبيعتهما، ولا تزيد الوضع إلا تعقيداً. لم يدخل أبناء دينكا نقوك داخل منطقة أبيي الحرب السودانية، ولم يُعلنوا ولاءهم لأي طرف من أطرافها، لأنهم لا يعتبرون أنفسهم جزءاً من صراع القوى على السلطة في السودان. وإذ إن سكان المنطقة لا يحملون وثائق سودانية ولم يندمجوا في مؤسسات الدولة كمواطنين يمارسون حقوقهم السياسية، فإن مطالبتهم بالاصطفاف مع أي طرف تبدو، من منظورهم، خالية من أي سند سياسي أو قانوني. فكيف يُطلب من مجتمع لم يكن يوماً طرفاً في النزاع أن يتحمل تبعات حرب لا صلة له بها؟ وقد ظلوا، عبر سنوات طويلة من الصراع، يتعاملون مع تعقيدات الواقع السياسي السوداني بحذر شديد، لا لأنهم خارج التاريخ، بل لأنهم يعيشون في منطقة ظلت على تماس مباشر مع النزاعات المسلحة والتجاذبات السياسية. لقد رسّخت التجارب المتكررة لدى أبناء دينكا نقوك قناعة بأن أخطر ما يهدد قضيتهم هو تحويلها إلى ورقة مساومة بين القوى المتصارعة في السودان، إذ لطالما طُرحت قضية أبيي على طاولة التسويات كلما اقتربت النخب السياسية من اتفاق، وكأن مصير سكانها يمكن أن يُقرَّر دون الرجوع إليهم. من هنا أصبح الحذر جزءاً راسخاً من وعيهم السياسي، وغدا الابتعاد عن صراعات المركز خياراً لحماية قضيتهم لا تعبيراً عن اللامبالاة. ويحفل التاريخ القريب بشواهد مؤلمة على ذلك: قرى أُحرقت، وعشرات الآلاف نزحوا، واستقرار المنطقة تقوّض مراراً جراء النزاعات المسلحة. ولا يزال كثيرون في أبيي يرون أن الحكومات السودانية المتعاقبة تعاملت مع قضيتهم كملف أمني أو ورقة سياسية، لا كحق تاريخي وقانوني لشعب. لذا تُقابَل أي دعوة للاصطفاف مع طرف متحارب بريبة عميقة، فالثقة هنا مكلفة الاسترداد. ولا يعني هذا الحذر الانعزال أو الانفصال عن الواقع، بل السعي إلى الحفاظ على مسافة آمنة من الصراع السياسي المباشر، حتى لا تتحول القضية الأساسية إلى ورقة ثانوية في صراع أكبر لا يملكون أدوات التأثير فيه. إن خطورة ما حدث لا تكمن في واقعة بعينها أو في تصريح عابر ضمن وفد سياسي، بل في التحول التدريجي الذي قد يصيب مفهوم لجان السلام عندما تبدأ في فقدان حدودها الوظيفية. فهذه اللجان، في أصل فلسفتها، لم تُنشأ لتكون جزءاً من التنافس السياسي أو امتداداً لأي سلطة، وإنما وُجدت لتكون مساحة محايدة بين مجتمعات متجاورة يجمع بينها تاريخ طويل من التعايش والتوتر معاً. وحين تُدفع هذه اللجان إلى فضاء السياسة الحزبية أو العسكرية، فإنها تفقد تلقائياً قدرتها على أداء دورها الأساسي، لأن الحياد عندئذٍ يصبح موضع شك دائم، وتتحول الثقة من حقيقة مستقرة إلى سؤال معلّق. ولا يمكن عزل ما جرى في نيالا عن السياق العام للحرب السودانية التي أعادت تشكيل التحالفات والمواقف بصورة غير مسبوقة؛ ففي مثل هذا السياق، تصبح الرموز المحلية، ومنها لجان السلام، عرضة للاستقطاب، سواء بقصد أو دون قصد، لأن الأطراف المتحاربة تسعى دوماً إلى أي غطاء اجتماعي أو قبلي يوسّع دائرة شرعيتها، وهو ما يضاعف مسؤولية أعضاء هذه اللجان. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين المشاركة السياسية الفردية لأي شخص، وبين توظيف صفة تمثيلية داخل لجنة يُفترض فيها الحياد. فالإشكال ليس في أن يتبنى شميلة ميرغني، أو غيره من أعضاء اللجنة، موقفاً سياسياً معيناً، إذ إن ذلك حق طبيعي، بل في استخدام موقعه داخل لجنة السلام لإضفاء وزن جماعي على موقف فردي، أو لإيصال رسالة سياسية توحي بوجود إجماع مجتمعي لم يُتحقق منه فعلياً. وهذا النوع من الالتباس هو ما يهدد مصداقية أي لجنة وساطة أو سلام، لأنه يخلط بين الرأي الشخصي والتفويض الجماعي. فهذه اللجان ليست أحزاباً سياسية ولا كيانات تمثيلية بالمعنى الرسمي، بل أدوات تواصل وبناء ثقة، تقوم على قبول جميع الأطراف بها كجهة محايدة، وأي إخلال بهذا القبول المتبادل يقوّض تلقائياً الأساس الذي تستند إليه في عملها. وأخطر ما تواجهه أي لجنة سلام ليس الخلافات الداخلية العادية، بل فقدانها التدريجي لثقة المجتمع الذي أُنشئت من أجله. فالثقة هي الأساس الذي تُبنى عليه كل وظائف اللجنة، من الوساطة إلى التهدئة إلى إدارة النزاعات المحلية، وحين تبدأ في التآكل تتحول اللجنة إلى مجرد اسم بلا تأثير. وفي حالة لجنة السلام بين المسيرية ودينكا نقوك، ترتبط هذه الثقة ارتباطاً مباشراً بقدرتها على الحفاظ على مسافة واحدة من جميع الأطراف. وأي انحراف عن هذا التوازن، حتى لو بدا في ظاهره تصرفاً فردياً، قد يُحدث أثراً تراكمياً يعيد تشكيل صورة اللجنة في أذهان الناس، ذلك أن المجتمعات لا تميّز دائماً بين الفرد والمؤسسة حين يتعلق الأمر بالرموز التمثيلية، لا سيما في البيئات التي يغيب فيها التوثيق المؤسسي الواضح. لقد بات جلياً أن استمرار خلط الأدوار بين العضوية في لجنة السلام والمواقف السياسية الفردية يُنتج حالة من الالتباس لا تخدم أي طرف، إذ قد يشعر أحد المجتمعين بأن اللجنة تميل إلى الآخر، بينما يرى الطرف الآخر العكس تماماً، وفي النهاية تجد اللجنة نفسها محاصرة بين قراءات متناقضة تُفقدها القدرة على العمل بفاعلية. وإذا استمر هذا الوضع، فقد يفضي إلى انهيار تدريجي في وظيفة اللجنة دون إعلان رسمي، وهو أخطر أنواع الفشل المؤسسي، إذ لا يمكن للوساطة أن تنجح في بيئة يغيب عنها الحد الأدنى من الثقة. ومن هذا المنطلق، لم تعد إعادة تعريف مهام اللجنة مسألة اختيارية أو نظرية، بل غدت ضرورة عملية لضمان استمرارها. ويجب أن تقوم هذه المراجعة على مبدأين أساسيين: أولهما الفصل الصارم بين الصفة المؤسسية والموقف الفردي، بحيث لا يُسمح لأي عضو باستخدام صفته في اللجنة لترويج أي موقف سياسي أو عسكري أو دعمه؛ وثانيهما ترسيخ مبدأ المساءلة الداخلية، بحيث يكون هناك وضوح تام في التعامل مع أي تجاوز قد يسيء إلى حياد اللجنة أو يعرّضها لفقدان الثقة. وهذا الحفاظ على الحياد لا يعني عزل الأعضاء عن الواقع السياسي العام، لكنه يعني فصلاً واضحاً بين النشاط الشخصي والنشاط المؤسسي، وهو ليس ترفاً تنظيمياً، بل شرط وجودي لبقاء اللجنة ذاتها. ويواجه أبناء دينكا نقوك، شأنهم شأن غيرهم من المجتمعات التي تعيش في مناطق النزاع، تحدياً كبيراً يتمثل في حماية قضيتهم من الذوبان داخل الصراعات الأكبر، وهذا يتطلب منهم، ومن ممثليهم، ومن كل من يتحدث باسمهم، قدراً عالياً من الانضباط السياسي والحذر في استخدام الصفات التمثيلية، لأن أي خطأ في هذا الجانب قد يُستغل لاحقاً بما لا يخدم مصالحهم. وفي الختام، ينبغي أن يكون ما جرى مناسبة لمراجعة جادة ومسؤولة، لا لإدانة أشخاص بعينهم، بل لإعادة الاعتبار لفكرة لجنة السلام نفسها. فإما أن تبقى هذه اللجنة إطاراً محايداً يبني الجسور بين المجتمعات، أو تنزلق تدريجياً إلى ساحة من ساحات الصراع السياسي، وعندئذٍ تفقد معناها الحقيقي ودورها التاريخي. فالحفاظ على السلام لا يتحقق بالشعارات، بل بالالتزام الصارم بالحياد، والوضوح في الأدوار، واحترام الحدود بين ما هو شخصي وما هو مؤسسي. وهذه هي اللحظة التي يتحتم فيها اتخاذ قرار واعٍ: إما تثبيت اللجنة أداةً للسلام، أو تركها تنزلق إلى صراعات لا تنتهي.
lualdengchol72@gmail.com
