هل خرج النظام من البازار الإيراني؟ .. بقلم: صديق محيسي

تحليل  إخباري

في 31 يوليو الماضي كتب الكاتب البريطاني الشهير ديفيد هيرست  المتخصص في شئون الشرق الأوسط  أن انقلاب قصر حدث في المملكة العربية السعودية أطاح بعشيرة الملك الراحل عبد الله لينجح  “السديريون” العشيرة الغنية والقوية سياسيا داخل بيت آل سعود، والذين همشوا أثناء حكم الملك الراحل، للعودة بقوة مرة أخرى إلى الصدارة . وعلي صلة بذلك التحليل يظهر نظام الإنقاذ في جزء من المشهد الواسع الذي يهيمن علي المنطقة العربية والذي توج اخيرا بالتدخل العسكري السعودي في اليمن مما خلط الأوراق السياسية وأعاد ترتيب العاجل والمؤجل في كل بلد علي حدة .
سعوديا  يبدو واضحا ان التغيير الذي حدث في المملكة لم يقتصر علي وجوه الطاقم الملكي السعودي  القديم ولكنه تجاوز ذلك إلى تغيير جذري  في السياسة التي كان ينتهجها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز  الذي صنف حركة الأخوان المسلمين كحركة إرهابية مشكلا محورا جديدا قوامه الإمارات العربية المتحدة ومصر السيسي والبحرين والكويت.
احدث هذا التصنيف وهو الأول من نوعه في تاريخ  المملكة التي  رعت حركة الأخوان المسلمين علي مر الزمن ردة فعل قوية  لدي نظام الإنقاذ الذي ضاق عليه الخناق إقليميا فأخذ  يعاني من عزلة لا مثيل لها وفي ذاكرته العداء الذي أظهرته المملكة في الحادثة الشهيرة وهي منع طائرة الرئيس البشير من عبور الأجواء السعودية  الي طهران ,  ووقف المصارف السعودية  التعامل مع نظيرتها  السودانية  , لم يكن من  الممكن  الا يبحث الإنقاذيون عن لعبة جديدة  تحولهم من  الخانة  الفارسية  الي الخانة  الخليجية ,  فالأحداث  المتسارعة التي تضرب المنطقة خصوصا سوريا والعراق وليبيا جاءت بحالة جديدة اهمها واخطرها عودة الحلم الإمبراطوري الفارسي من بطون التاريخ وذلك الذي جعل دولة  كالسعودية تخوض حربا ثانية  مثل تلك التي خاضتها ضد الجيش المصري  في اليمن في مطلع ستينات القرن الماضي .
من خلال هذا الواقع المغاير, واقع تحول العاهل السعودي الجديد من سياسة سلفه الراحل المعادي بشدة للأخوات المسلمين الي المهادن لهم وظهر ذلك جليا في تراجع الإعلام السعودي في الهجوم علي الجماعة .
هذه الفرصة  الثمينة  صبت فورا  في مصلحة نظام البشير , وفي خفة  الفراشة سارع  الي المشاركة  في الحرب  ضد الحوثيين , ورافق ذلك تصريحات متهافتة وصلت الي حد تحويل الحرب الي حرب دينية  دفاعا عن ” بيت الله الحرام ” كما صرح  رئيس  النظام وتبعه الكورال التقليدي الجاهز,إزاء هذا المتغير الذي بدأ بتنكر رئيس النظام للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين خلال زيارته لدولة الإمارات العربية المتحدة .
هل يمكن القول ان النظام السوداني استطاع  فك عزلته الإقليمية  متوجا بذلك  قرارات اتخذها من قبل , مثل  إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية  وطرد مديريها  خارج البلاد  بعد انتشار المذهب الشيعي؟, هل  تقبل الدول الخليجية عودة االإبن الضال الي “حظيرتها”  بعد ان راهن سنينا علي دولة الآيات,  هل بالفعل  خرج النظام  من الحلف مع ايران وقطع شعرة معاوية  معها؟
هنا اجد نفسي اميل الي التحليل الرصين الذي كتبه الاسبوع الماضي الكاتب صلاح شعيب والذي شكك فيه في الخطوة الإنقاذية باعتبارها تكتيكا أو موقفا ميكافيليا مؤقتا كان ولا يزال الهدف منه اختراق التحالف الخليجي العربي  وتزويد طهران  بكل ماتريد من معلومات,
ويلاحظ  في هذا الصدد  الحذر الخليجي من السودان عندما  أصرت دولة  الإمارات علي  استضافة طائرتين حربيتين سودانيتين قديمتين في مطاراتها دون السماح لها بالتحرك,عكس ما يروج له إعلام وصحف النظام من ان السودان يشارك فعليا في هذه الحرب.
يقابل كل هذا غياب رد الفعل الإيراني علي كل ما قام به نظام الخرطوم فلم يخرج حتي الان  اي تصريح  استنكاري من طهران  بدءا بإغلاق  المراكز الشيعية وانتهاء بالمشاركة ,ويري الكاتب البريطاني الإيراني الاصل امير طاهري إن جدية  نظام السودان  تجاه طهرن سوف يصدقها الخليجيون فقط إذا أقدم علي إلغاء, او حتى تجميد الاتفاقات  والبرتوكولات  العسكرية  والثقافية معها.
نعم لقد تراجع السودان من قبل تحت الضغط  الخليجي عن  المشروع الإيراني  بإقامة منصات  صواريخ علي سواحل البحر الأحمر داخل المياه الإقليمية  السودانية  للتصدي  للغارات الإسرائلية المتكررة ,وتراجع عن عمليات مرور السلاح عبر اراضيه الشرقية الي حركة حماس, غير ان  حبل المشيمة  لايزال  موجودا مع طهران  متمثلا في عشرات المستشارين  العسكريين  الذين يشاركون  في الحرب ضد الجبهة الثورية في جنوبي كردفان ,وجبال النوبة, كما لا تزال شراكة انتاج  السلاح بين البلدين  مستمرة  في مصنعي  اليرموك  وجياد , واخيرا  دخول اربعة شركات ايرانية  لتعمل في مجالات التنقيب في ولاية نهر النيل .ثم  المديونية علي السودان والتي  تقدربما يقارب 400 مليون دولار .
إقليميا ادي الإضطراب الذي يسود المنطقة حاليا متمثلا في ظهور   الجماعات الأصولية المتشددة والغامضة المنشأ  مثل داعش وجبهة النصرة  وغيرها االي قناعة امريكية بالمحافظة علي نظام البشير بإعتباره صمام الأمان لمصالح واشنطن, وتفاديا لتوسيع جبهة الفوضي في المنطقة  فالتحسب الامريكي يخاف من ان  تنفرط  المسبحة السياسية  في السودان  فيؤدي ذلك الي وضع شائك  اشبه بالأوضاع في سوريا والعراق وليبيا وهذا ما لا تريده ادارة اوباما  المنهكة  اصلا بالمشاكل  الخارجية , وهذا ايضا  ما ادخله الصادق المهدي  في روع  الأمريكيين عبر سفارتهم في القاهرة.ومع كل ذلك  تعد واشنطن نظام الخرطوم  في كل مرة  من  انها سوف  ترفع اسم السودان من لائحة الدول المساندة للإرهاب , بل انها بدأت تدريجيا السماح  لبعض الشركات الأمريكية بتوريد  بعض المعدات الثقافية  للسودان  كمقدمة  لرفعها بالكامل  ولكن راهنة ذلك  بنظافة سجلها في حقوق  الآنسان  وتلك جذرة  معلقة  يسيل  لها لعاب النظام  دون ان يطاول اكلها.
علي الصعيد المصري بدا واضحا ان نظام السيسي غير من سياسته تجاه نظام الخرطوم , فبعدما  كان  يري فيه خطرا مؤجلا  إختار الان  ان يستخدم معه لغة ناعمة مستغلا موقفه الجديد  منقضية  سد النهضة وتفاديا لاستخدامه عناصر اخوانية قيادية لا يزال بعضهم ضيوفا علي النظام وكذلك تعهد النظام من جانبه وقف تقديم السلاح  الي  قوات فجر ليبيا الأخوانية التي تقاتل الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا بالرغم من انكاره المستمر انه كان يقوم بهذه المهمة  .
خلاصة المشهد انه وسط هذه  المتغيرات يحاول نظام البشير تقديم نفسه ذئب في ثوب حمل ,  لعل الخراف تنطلي عليها هذه اللعبة  فترعي  في أمان , ولكنها  تنام بعين واحدة  بينما العين الثانية  ترقب  تحركاته.

s.meheasi@hotmail.com
/////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً