أزمة الثقة بين حملات تغبيش الوعي وصمت النخب
كتبت: د. علوية علي حسين
حين تهتز الثقة بين الشارع والقوى المدنية، لا يهتز شعور عابر، بل تتصدع فكرة التمثيل نفسها، ويضعف الرابط الذي يمنح السياسة معناها في وجدان المجتمع. فالثقة ليست حالة مزاجية مؤقتة، بل هي الأساس الذي تقوم عليه شرعية أي مشروع مدني يسعى لإدارة الشأن العام.
بعد الثورة السودانية، بدا أن المسافة بين الشارع والقوى المدنية أخذت في التقلص، وأن صوت المجتمع أصبح أقرب إلى دوائر القرار. غير أن تعقيدات المرحلة الانتقالية، ثم اندلاع الحرب، أعادت تشكيل المشهد بصورة قاسية، ووسّعت مساحات الشك والتساؤل.
وهنا تفرض اللحظة سؤالها:
هل فقد الشارع ثقته في القوى المدنية، أم فقدت القوى المدنية اللغة التي يخاطب بها الشارع واقعه اليومي ويجد فيها نفسه وهمومه؟
في هذا المناخ المضطرب، تداخل النقد المشروع مع حملات تغبيش الوعي، واختلطت المساءلة بالشائعات، حتى أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين النقد الذي يُصلح، والخطاب الذي يعيد تشكيل الرأي العام بصورة متعمدة.
وفي ظل النزوح المتصاعد، وضغط المعيشة، وانهيار الخدمات الأساسية، لم يعد السؤال عن السياسة مجرد مسألة فكرية، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بأمن الناس اليومي وبقوتهم وتعليم أبنائهم. هذا الواقع يجعل أي خطاب مدني بعيد عن هموم الناس اليومية أكثر عرضة لسوء الفهم أو الرفض، ويزيد من الحاجة للغة تقترب من الواقع المعيشي، وتربط بين المشروع المدني واحتياجات المجتمع الحقيقية.
أولًا: تغبيش الوعي… بين السياسة والفكر والثقافة
من حق الشارع أن يُحاسب، فالنقد جزء أصيل من أي تجربة مدنية. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول النقد إلى أداة منهجية لإعادة توجيه الوعي، لا لتقويم المسار.
فمع تعثر الانتقال وتصاعد أجواء الحرب، برزت سرديات مبسطة تُحمّل المدنيين مسؤولية الإخفاقات كافة، وتقدّمهم بوصفهم عاجزين عن حماية الدولة أو صون المجتمع. ولا تقوم هذه السرديات على الأخبار الكاذبة وحدها، بل على التكرار المستمر لرسائل تُشعر الناس بأن البديل عن الاصطفاف أو الصمت هو الفوضى.
وهنا يتحول التغبيش من ممارسة سياسية إلى ظاهرة ثقافية، تعيد إنتاج صورة نمطية عن القوى المدنية، وتفصلها عن تفاصيل الحياة اليومية، حتى تبدو وكأنها كيان بعيد عن هموم الناس.
ثانيًا: صمت النخب… أثره السياسي والاجتماعي
غير أن العوامل الخارجية لا تكفي لتفسير الأزمة. فكثيرًا ما يتسع الشرخ بسبب فراغ داخلي أكثر مما يتسع بفعل الهجوم.
حين تتردد القوى المدنية في الاعتراف بأخطائها، أو تظهر خلافاتها أوسع من نقاط اتفاقها، فإنها تترك المجال لروايات أخرى كي تتقدم. سياسيًا، يُقرأ هذا التردد بوصفه ضعفًا أو انقسامًا، ويغذي الشكوك حول القدرة على إدارة المرحلة.
أما اجتماعيًا، فالشارع لا ينتظر خطابًا نظريًا بقدر ما ينتظر كلامًا يمسّ أمنه واقتصاده وتعليمه وصحته وكرامته اليومية. وعندما يغيب هذا الخطاب، أو يُصاغ بلغة نخبوية لا تتقاطع مع الثقافة الشعبية، تتسع المسافة أكثر.
الصمت هنا ليس غياب الكلام، بل غياب اللغة المشتركة التي يشعر من خلالها المواطن أنه جزء من المشروع المدني، لا مجرد متلقٍّ له.
ثالثًا: إعادة بناء الثقة… مسؤولية مشتركة
الأزمة لا يتحملها طرف واحد. فالشارع يعيش تحت ضغط الحرب والاستقطاب والخوف، ما يجعله أكثر قابلية لتصديق الرسائل المبسطة. وفي المقابل، تتحمل القوى المدنية مسؤولية إعادة بناء الجسور.
سياسيًا، يبدأ ذلك بالاعتراف الصريح بالأخطاء، وطرح حلول واقعية تعالج مشكلات الناس اليومية.
واجتماعيًا، يتطلب إدارة الخلافات الداخلية بروح مسؤولة، وتقديم حد أدنى من التوافق حول القضايا الكبرى.
وثقافيًا، يقتضي تبني لغة أقرب إلى وجدان المجتمع، تتجنب التعقيد والمصطلحات المجردة، وتقترب من التجربة المعيشة.
فالثقة لا تُستعاد بالشعارات، بل بالفعل المتسق الذي يراه الناس في واقعهم.
اخلص الى ان ،
أزمة الثقة بين الشارع والقوى المدنية تكشف خللًا في العلاقة، لا مجرد توتر عابر في المواقف. فهي تمسّ جوهر التمثيل، وتختبر قدرة المشروع المدني على أن يكون حاضرًا في تفاصيل حياة الناس، لا في عناوين السياسة وحدها.
الثقة لا تُستعاد بالبيانات ولا بتبادل الاتهامات، بل بالفعل المتسق، وبالاعتراف الصريح بالأخطاء، وبالقدرة على تقديم حلول تمسّ الواقع اليومي. وفي المقابل، يحتاج الشارع إلى وعي يميّز بين النقد الذي يفتح أفق الإصلاح، والسرديات التي تعيد إنتاج الإحباط وتُغلق المجال العام.
المسافة بين الطرفين لم تُخلق في يوم، ولن تُختصر بخطاب واحد. لكنها تضيق حين يتقدّم الصدق على الحسابات، وتتقدّم المصلحة العامة على الانقسام. عندها فقط يمكن أن تتحول العلاقة من شك متبادل إلى شراكة واعية، ومن أزمة ثقة إلى فرصة لإعادة البناء.
dr.alawia.ali.21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم