هل مجانية التعليم والعلاج مستحيلة في السودان ؟

muhammedbabiker@aol.co.uk
د. محمد عبدالله

كلما طُرح مطلب مجانية التعليم والعلاج في السودان، ارتفعت أصوات تقول إن البلاد لا تحتمل هذا “الترف”.

تُقدَّم الفكرة وكأنها رفاهية أوروبية لا تليق باقتصاد مأزوم، أو كأنها حلم عاطفي يصطدم بجدار الواقع الصلب. لكن السؤال الأجدر بالطرح ليس: هل المجانية مستحيلة؟ بل: ما الذي جعلها تبدو كذلك؟

السودان ليس بلداً بلا موارد. هو بلد أُديرت موارده خارج الموازنة العامة لسنوات طويلة. اقتصاد ظلّ واسع، عائدات ذهب لا تمر كلها عبر الخزانة، شركات تتبع لمؤسسات نظامية، وإعفاءات ضريبية تُمنح بسخاء. حين يكون جزء معتبر من المال العام خارج الرقابة والشفافية، يصبح من السهل إعلان العجز عن تمويل المدارس والمستشفيات. غير أن العجز هنا ليس قدراً طبيعياً، بل نتيجة ترتيب أولويات.

المفارقة أن كلفة الجهل والمرض أعلى بكثير من كلفة الوقاية والتعليم. طفل خارج المدرسة اليوم هو شاب عاطل غداً، وعامل غير مؤهل بعد غد. ومواطن لا يجد علاجاً أولياً بسيطاً سيتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي مضاعف. الدول التي اختارت الاستثمار في التعليم الأساسي والرعاية الصحية الأولية لم تفعل ذلك لأنها غنية، بل لأنها أدركت أن الإنسان هو رأس المال الحقيقي.

ليست المجانية المقصودة هنا شعاراً فضفاضاً أو التزاماً مفتوحاً بلا حساب. معظم الدول التي تعتمد خدمات عامة مجانية تمولها عبر نظام ضريبي عادل، وتوجيه الدعم إلى الخدمات بدلاً من دعم السلع بصورة عشوائية، ومكافحة الفساد والهدر. المسألة تقنية حين تتوافر الإرادة السياسية: إعادة توزيع، لا خلق موارد من عدم.

في السودان، استنزفت الحروب المتكررة والإنفاق الأمني الضخم موارد كان يمكن أن تؤسس بنية تعليمية وصحية معقولة. من السهل القول إن الخزينة فارغة، لكن من الصعب تجاهل أن جزءاً كبيراً من الإنفاق ظل موجهاً لغير الإنسان. وعندما تصبح الدولة دولة حرب، تتراجع المدرسة والمستشفى تلقائياً إلى آخر سلم الأولويات.

ثم هناك بعد أخلاقي لا ينبغي إغفاله. التعليم والعلاج ليسا منّة من السلطة، بل أساس أي عقد اجتماعي حديث. الدولة التي تعجز عن ضمان حد أدنى من التعليم العام والرعاية الصحية الأولية المجانية تفقد جزءاً جوهرياً من مشروعيتها. قد لا تكون المجانية الشاملة ممكنة دفعة واحدة، لكن مجانية الأساسيات ليست حلماً مستحيلاً، بل خياراً سياسياً يتطلب شجاعة في إعادة تعريف وظيفة الدولة.

من يقول باستحالة مجانية التعليم والعلاج يتعامل مع الدولة كما هي، لا كما ينبغي أن تكون. صحيح أن السودان يمر بواحدة من أسوأ أزماته، لكن إعادة البناء لن تبدأ من إعادة إعمار الحجر فقط، بل من الاستثمار في البشر. وعندما تتحول الدولة من منطق الطوارئ الدائمة إلى منطق التنمية، يصبح السؤال: كيف نمول وننظم؟ لا: هل يمكن أصلاً؟

الاستحالة الحقيقية ليست في المجانية، بل في استمرار نموذج دولة تُهدر فيها الموارد بعيداً من الإنسان. أما إذا أُعيد ترتيب الأولويات، فإن المدرسة والمستشفى يمكن أن تعودا إلى قلب المشروع الوطني، لا إلى هامشه.

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

الأمم بين الحكاية والمؤسسة: لماذا ينجح البعض ويتعثر آخرون؟

دكتور محمد عبداللهmuhammedbabiker@aol.co.uk ليست الأمم أشجارا تنمو وحدها في البرية، ولا آلات تدار بزر واحد. …