هل نحن بحاجة إلى وزارة إعلام؟ يا له من ببغاء عقله في أذنيه .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
22 أغسطس, 2019
د.عبد الله علي ابراهيم, منبر الرأي
65 زيارة
وجدت الدكتور رئيس الوزراء عبد الله حامدوك ميّز الصحافة في أول لقاء له بها وسماها “السلطة الرابعة” وهذا، قرآنياً، قول ثقيل. وكنت نشرت في منتصف أبريل الماضي كلمة أدعو إلى ألا نقبل، متى جئنا لتكوين مجلس الوزراء، الكيان الوزاري المتوارث. وركزت على قطاعي الإعلام والثقافة وقلت ألا حاجة لتخصيص وزارة أو وزارت لهما. فمتى كان للدولة إعلامها صارت بعض السلطة الرابعة بل الأوفر إمكانيات بينها ناهيك من أنها من يصدق (أو لا يصدق) لمنابر السلطة الرابعة الأخرى بمزاولة أعمالها. وهذا سلطان متوحش على الإعلام. ودعوت إلى التخلص من وزارة الإعلام في اختصاص التبشير بالحكومة والترويج لها مما هو إهانة للمواطن اكتوينا بها طويلا. وأعيد نشر المقال هنا في سياق مسع لا مهرب منه لتفكيك الدولة التي تناسلت لنا من الاستعمار، وتفننت في استثمارها الأنظمة الديكتاتورية المتطاولة. وظلت عقيدتها إن عقل الشعب، الببغاء، في أذنيه كما قال شوقي.
بسماعي فصل المجلس العسكري للأستاذ محمد حاتم سليمان، مدير الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، وجدتني اتفق مع عثمان ميرغني ونبيل أديب في وجوب أن نبارح محطة الضغط بالقطاعي على المجلس العسكري لتنفيذ خطة هنا أو فصل فرد هناك، إلى محطة المشروع الإجمالي للثورة. فخِشي عثمان أن امتثال المجلس العسكري لهذه الثورة بالمفرق سيجعل منه سلطة فوق السلطات الأخرى (مجلس وزراء، برلمان انتقالي لو اتفقنا عليه). كما دعا أديب إلى أن يصدر المجلس إعلاناً دستورياً يقوم به هيكل الحكم الانتقالي ليباشر الحكم في علاقة يتفق عليها معه. (وقد تجاوزنا هذا ولم يعد المجلس العسكري نفسه بيننا)
مغبة هذا التثوير بالمفرق، علاوة على التمكين للمجلس العسكري، هي إخلاء طرف الثورة من مشروعها للبديل السياسي مما يحيل الشارع إلى مجرد أداة ضغط لاجتثاث النظام القديم. فنحسب نجاح الثورة أو نكستها قطعة قطعة (فصل هذا وعين ذاك) وكأن هذا كل ما تبقى لنا. بل ربما شككنا في نجاح ثورتنا متى ابطأ المجلس العسكري أو رفض بوجه الباب.
وأضرب مثلاً بحالة الإعلام. وأسأل: هل كل مشروع ثورتنا للإعلام هو فصل مدير مؤسسة الدولة فيه وتعيين غيره لتعمره أصوات الثورة المجمدة دون وسائطه؟ هل نقبل كثوريين أهان إعلام الحكومة عقولنا وأفئدتنا لعقود، أن نضع بيد الحكومة، بالغاً ما بلغت، جهازاً إعلامياً في ضخامة الموجود حالياً تغبش وعينا به بمثل “التعليق على الأخبار”، وكافة صور احتكار الرسالة الإعلامية دون الآخرين في المجتمع المدني؟ فمشروعنا الديمقراطي في ثورة أكتوبر 1964 سعى إلى نزع الإعلام عن الدولة بجعل إذاعة وتلفزيون أم درمان مؤسسة قومية حذو الإذاعة البريطانية. وكان ذلك توصية لجنة استشارية كونها مجلس وزراء ثورة أكتوبر برئاسة المرحوم محمد هاشم عوض (أنظر ملحق التوصيات أدناه).
وتعزز عندي مفهوم تجريد الدولة من وظيفة الإعلام عن نفسها بالنظر إلى الخبرة الأمريكية. فالعقيدة الإعلامية عندهم صون المواطن الأمريكي من أن يكون هدفاً لأي قدر من الترويج تصوبه الحكومة نحوه بغرض التأثير على رأيه فيها أو في غيرها. وتركت الإعلام خالصاً في يد المبادرة الخاصة يعرض الإعلامي المؤيد للحكومة رأيه كصحافي مستقل الرأي لا موظفاً فيها تملي عليه الرأي قَبله أو لم يقبله. وربما كان الاستثناء الأمريكي هو مؤسسة الإذاعة العمومية التي تعنى بشؤون الثقافة والفنون والطفل مما ينفر منها مستثمر القطاع الخاص. وبلغ من تعفف الحكومة عن الإعلام (مع حاجته له) أنها حرمت تصويب “صوت أمريكا” و “الحرة” وغيرها من وسائط الإعلام الموجهة إلى بلدان العالم جمعاء إلى الجمهور الأمريكي.
إن حَسِبنا فصل محمد حاتم وتعيين البدل عنه نصراً نكون قد هزمنا مشروعنا للدولة الديمقراطية المنتظرة. فلربما أسعدنا إعلام الدولة في يومنا الثوري هذا ولكنه سيبكينا غداً لأنه مكن للحكومة من إعلام واسع النطاق والتأثير لا نعرف متى “يعلق لنا على الأخبار” التي يصنعها طاقم الدولة، أو يفتريها، مما يهبط بنا كمواطنين إلى “سميعة” ثم هتيفة.
ملحق:
توصيات اللجنة الاستشارية المكلفة من حكومة ثورة أكتوبر لوضع نظام جديد للإذاعة والتلفزيون المملوكين للدولة بسكرتارية المرحوم الدكتور محمد هاشم عوض. ولم يكن صعباً ان تجد اللجنة نموذجاً للكيان القومي للإعلام. فنموذج البي بي سي البريطانية كان في متناول النظر. وأنقل أدناه تعميماً من سكرتير اللجنة عما توصلت إليه بخصوص النظام الجديد المقترح لجهازي الإذاعة والتلفزيون والمنشور بجريدة الأيام (16 فبراير 1965):
فرغت اللجنة الاستشارية للإذاعة والتلفزيون من جزء هام من عملها وهو إعداد مسودة نظام جديد لهذين الجهازين يكفل لهما الحياة والاستقلال من الأحزاب الحاكمة. وقد قدمت اللجنة توصياتها في هذا الشأن إلى السيد وزير الاستعلامات والعمل. وفي ما يلي مختصر لهيكل النظام المقترح:
تقترح اللجنة أن يٌضَم جهازيّ الإذاعة والتلفزيون تحت هيئة موحدة مستقلة عن أي وزارة. تكون هذه الهيئة تحت رعاية رأس الدولة مباشرة. كما نقترح أن تكون السلطة العليا في هذا الجهاز مجلس مكون من 24 عضواً يأتون على النحو التالي:
5 ممثلين لبعض الهيئات المستقلة كالجامعة والقضاء الشرعي ولجنة الخدمة المدنية.
5 ممثلين للوزارات الوثيقة الصلة بالإذاعة والتلفزيون.
3 ممثلين للبرلمان.
10 أعضاء ينتخبهم الخمسة الأوائل على أساس كفاءتهم الشخصية وصلاحيتهم للإشراف على هذه الهيئة الإعلامية الثقافية الترفيهية.
زائداً المدير العام للهيئة الذي يترأس الجهاز التنفيذي ويمثل حلقة الوصل بين الجهاز والمجلس.
هذا وينتخب المجلس مكتباً دائماً من الرئيس وأربعة اعضاء آخرين للبت في الأمور العاجلة
بهذا تأمل اللجنة أن تحقق الآتي: تخليص الإذاعة والتلفزيون من هيمنة الأحزاب الحاكمة. وضع الجهازين تحت إشراف هيئة قومية تضم نخبة من أكفأ وأميز الوطنيين. تحقيق الديمقراطية وتحديد المسئوليات داخل هذين الجهازين.
هذه اللجنة عظيمة الأمل في تقبل المسئولين لهذا النظام المقترح الذي تمخضت عنه دراسات شاملة في ماضي وحاضر الإذاعة والتلفزيون في بلادنا وفي بعض بلدان العالم الأخرى كبريطانيا ونيجيريا والهند وفي نظم الهيئات المستقلة كجامعة الخرطوم عندنا. وبجانب هذا تعكف اللجنة هذه الأيام على دراسة التقارير التي وصلتها من لجانها الفرعية عن المستويات في الإذاعة والتلفزيون وطرق ترقيتها. إننا لشديدي الثقة في أن نتمكن من أن نرفع توصياتها في هذا الصدد في غضون الأيام القليلة القبلة والله ولي التوفيق.
المخلص
محمد هاشم عوض
السكرتير
IbrahimA@missouri.edu