الانقلابات داخل الانقلاب: تجربة نميري
كنا نقول في مناهضة 25 مايو وفكرتها الانقلابية، أن الإنقلابيين سيصرون على ممارسة الانقلابات حتى داخل إنقلابهم، ولعل الدارس لتاريخ تلك الفترة يجد أن نميري كان يفاجئ من معه بتدبير الانقلابات الداخلية في نظامه التي تعيد ترتيب النظام حتى يستطيع تركيز السلطة في يده وإعادة ترتيب تحالفاته لإطال عمر نظامه زلذلك فهو قد رتب إنقلابات كثيرة، كان أولها إواحته لبابكر عوض الله من رئاسة الوزارة وإخراج بعض الوزراء المتهمين بالشجاعة في طرح آراء مخالفة في اجتماعات مجلس الوزراء والاجتماعات المشتركة بين مجلس ومجلس الثورة، ثم قام بإنقلابه الثاني في 16 نوفمبر 1970 بإبعاده لبابكر النور وهاشم العطا وفاروق حمدالله ثم جاء إنقلابه الثالث في 22 يوليو الذي استعاد فيه سلطته ولم يضيع وقتا حتى حل مجلس الثورة وأصبح رئيسا للجمهورية بمساعدة عدد من المثقفين المستقلين أمثال منصور خالد وجعفر بخيت وموسى عوض بلال وعبدالرحمن عبدالله وإبراهيم منعم منصور، الذين حسبوا أنهم يستطيعوا من خلال كتابة دستور أسموه بالدائم (دستور 1973) خاصة بعد أن أنجزوا ايقاف الحرب في الجنوب أن يبنوا دولة مؤسسات يستطيعوا أن ينجزوا فيها برنامجا طموحا للتنمية يرتكز على صناعات السكر والنسيج، ولكن الرئيس نميري استغل هزيمة إنقلاب 5 سبتمبر ليحدث إنقلابا دستوريا شبيها بإنقلاب الدستور الذي نحن بصدده، فقد عدل الدستور (مستفيدا من قدرات جلال علي لطفي القانونية) ليركز السلطات في يده ويصبح هو الثورة والدولة وأباح التعديل، لتكتمل الحلقة الاعتقال التحفظي. ودون القوص في انقلابات نميري المتعددة التي استمرت حتى قبيل سقوطه حيث فاجأ حلفائه من الإخوان بالإنقلاب عليهم وزجهم في السجون قبل الانتفاضة بشهرين.
إنقلاب يونيو 1989 والانقلابات الداخلية
لم يكن إنقلاب 30 يونيو مختلفا عن 25 مايو في الانقلابات التي تحدث فيه فالإنقلاب داخل الإنقلاب بدأ التخطيط له من الأيام الأولى حيث بدأ علي عثمان يجمع السلطات في يده مهمشا أستاذه وشيخه الترابي الذدي ذهب للسجن وفقا لفقه الخديعة (خديعة الشعب والقوى العالمية أن الإنقلاب لم تنظمه الجبهة القومية الإسلامية والتي إنطلت على بعض الناس ولم تنطل على آخرين)، المهم أن الشيخ خرج من السجن ووجد تلميذه يمسك بزمام الأمور عن طريق العسكريين وأعوانه من شباب الحركة وهكذا جاءت مسرحية (قد ابليتم بلاءا حسنا جزاكم الله خيرا وجاء دور الشباب) وانفض مجلس الشورى ولم يجتمع بعد ذلك! ولكن الانقلاب الحقيقي كان بحل المجلس العسكري وتعيين البشير رئيسا للجمهورية من خلال انتخابات صورية، ولم يكتمل الانقلاب بعد وفاة الزبير إلا بتعيين علي عثمان نائبا أولا ثم بدأ صراع القصر والشيخ الّذي أدى للإنقلاب الثاني داخل الإنقلاب فيما سمي للمفاصلة ثم جاءت نيفاشا وبدأ التحضير للإنقلاب الثالث ولكن مقتل قرنق أحبط ذلك الانقلاب وأصبحت خيوط اللعبة جميعها في يد رئيس الجمهورية الذي اصبح يمارس التعديلات والتنقلات الوزارية بطريقة نميري ويراقب في حذر صراعات مراكز القوى ويعمل من خلال بسط هيمنته على القوات المسلحة وجهاز الأمن على تركيز سلطته وعندما قرر أن يزيح مراكز القوى بحجة التجديد، فوجئ بعلي عثمان يصطف خلفه ويعلن أنه مستعد للذهاب إذا ذهب آخرون وهكذا ختمت 2013 وبدأت 2014 وكل الطاقم القديم خارج الميدان، والرئيس يمسك بالخيوط لوحده مما جعله يفكر في توسيع قاعدة النظام الجماهيرية بإطلاقه لمبادرة الحوار الوطني وسواء كان خطاب الوثبة هو الخطاب الحقيقي أم أنه تم تغييره، فتبقى الحقيقة هي أن الرأسمالية الإسلامية الطفيلية لم تكن لتسمح بمشاركتها سلطتها واقتسام هيمنتها الإقتصادية مع فئات طبقية أخرى حتى ولو كانت تلك هي فئات رأسمالية وطنية ناهيك عن طبقات أخرى، لذا كان كل برنامج الحوار هو مد حبال الصبر (بعد تجربة انتفاضة سبتمبر 2013 التي هزت أركان النظام) حتى انعقاد مؤتمر المؤتمر الوطني وإختيار مرشحه والاستعداد لانتخابات أبريل 2015. ولكن التحضير لمؤتمر الحزب أظهر صراعا وتكتلا أعترف الرئيس نفسه وتوعد المتكتلين، وكان من الضروري أزاء هذا التكتل أن يقود علي عثمان إنقلابا لصالح الرئيس (سيحسبه الرئيس له في مستقبل أيامه) يضمن فيه للرئيس الترشيح لدورة رئاسية جديدة لرئاسة الحزب الحاكم والجمهورية معا، مخالفا بذلك قاعدة الدورتين الرئاسيتين في كليهما.
تعديل الدستور: هل هو الانقلاب الأخير؟
ويشكل تعديل الدستور الانتقالي لعام 2005 (تعديل 2015) آخر الانقلابات التي قادها علي عثمان (رغم وجود السيدة بدرية التي أدعت أنها أعلى مكانة من علي عثمان)، تلك التعديلات التي انهت جوهر مفهوم الحكم الاتحاد الفدرالي للسودان والذي قدم كحل كطريقة مثلى لحل مسألة اقتسام السلطة والثروة، بحيث يصبح الأمن وليس المؤتمر الوطني هو حزب الرئيس الحقيقي الذي يمسك بزمام السلطة ويحتكر عنف الدولة ويرفع من يشاء ويزل من يشاء حتى تاتيهم صيحة الشعب يوما ما فيستعيد دولته وسلطته ويمارس سيادته. ولكن هل يكون هذا الانقلاب الأخير وهل تركيز السلطات (تعيين الحكام والقضاة وقادة الجيش والأمن والنيابة العامة) في يد الرئيس يضمن نهاية الصراع داخل الإنقلاب؟
إن الإجابة على السؤال تستدعي البحث في إذا ما كان الرئيس بوسعه الحفاظ على مصالح الرأسمالية الطفيلية ويحافظ على معدلات تراكم ثرواتها في وضع تطبق فيه الأزمة الإقتصادية بعنق النظام وسط إزدياد عزلة النظام العالمية والإقليمية وتحفز قوى المعارضة التي تزداد وحدتها متانة على مر الأيام؟ هل يتوقف الصراع داخل الإنقلاب نفسه مع نقص الكيكة المتوفرة بالكاد للقسمة؟
ولكن مهما تكن الإجابة على سؤال الانقلاب الأخير، فالمؤكد أن البلاد ستواجه صراعا حادا ونهوضا متميزا لحركة الجماهير يجعل الصراع داخل السلطة ثانوي وقد يشجع عدد من المتصارعين أن يفكرو في النجاة من المركب المائل نحو الغرق.
صدقي كبلو
skaballo@blueyonder.co.uk
///////////////
شاهد أيضاً
الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه
عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم