أصداء الوعي
آدم أبكر عيسي
الجمعة ٢٤يوليو ٢٠٢٦
عندما تخبرنا أرقام الجهاز المركزي للإحصاء بأن ثمانية من كل عشرة سودانيين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، فإن تلك النسبة البالغة 82.8% ليست مجرد قيمة إحصائية جافة، بل هي حكايات يومية عن آباء يبحثون عن لقمة عيش، وأمهات يراقبن أطفالهن يذبلون أمامهن. وتتحول شدة الفقر التي بلغت 53.3% إلى واقع معاش يعني أن الفقير في هذا البلد يفقد أكثر من نصف مقومات الحياة الأساسية دفعة واحدة.
بينما يكشف مؤشر الخدمات الصحية المسجل بنسبة 97.3% عن حقيقة مرة، هي أن الصحة أصبحت رفاهية لا ينالها سوى القليل. يجابه المواطن السوداني، في ريفه أو مدينته، عجزه عن إيجاد دواء لطفله أو سرير لأمه الحامل، فتتناثر الجثث في صمت، وتُدفن الأحلام قبل الأجساد.
يتوزع هذا الحرمان بشكل غير عادل بين الحضر والريف، فتصل النسبة في الأرياف إلى 90.8% مقابل 69.4% في المدن، مما يعكس عقوداً من التهميش البنيوي وانهيار البنى التحتية. وتتصدر ولاية وسط دارفور قائمة المناطق الأكثر فقراً، في تناقض صارخ مع ولاية الخرطوم التي تبدو الأقل فقراً. لكن الحرب التي اجتاحت العاصمة حولت ذلك التفاوت النسبي إلى رماد، وإلى موجات نزوح هائلة، حين اقتلعت النيران الملايين من بيوتهم ومصادر أرزاقهم، تاركتهم في مدارس مهجورة أو خيام منسوجة من الخوف لا تقي حراً ولا برداً، فتتحول الذاكرة إلى جرح، والمستقبل إلى سراب.
لقد ضاعفت الحرب من هشاشة المشهد. فبعد أن كان الفقر جحيماً، أصبح في ظل القتال جحيماً مضاعفاً، حيث تتفاقم أبعاد الحرمان الصحي والتعليمي والغذائي. ويواجه النازح واللاجئ معاً تحديات فقدان الهوية وصعوبة الاندماج، وانتظار المساعدات التي لا تسد نصف جوعهم، فتتحول حياة الملايين إلى معاناة يومية تتراوح بين البقاء في مدارس لا تصلح للمأوى، أو النوم تحت سماء مفتوحة تحمل إما حراً لافحاً أو أمطاراً غزيرة.
بينما تظل الجروح النفسية للأطفال الذين شاهدوا بأعينهم مشاهد لا تليق بخيال البشر، هي الندبة الأعمق التي لا تعالجها الإحصائيات. فالأرقام تعجز عن قياس ارتعاشة طفل رأى الموت بعينيه، أو أم فقدت رضيعها على طريق النزوح.
وفي زمن الخراب هذا، لا بد من حلول إنقاذية تنبثق من روح التضامن، لا من غرف الاجتماعات الباردة. تبدأ بفتح ممرات إنسانية آمنة لنقل الغذاء والدواء إلى دارفور والخرطوم وكردفان، مع ضمان حيادها التام وألا تكون رهينة للصراعات. وتتوجب كذلك برامج دعم نفسي عميقة تستهدف شرائح النازحين الأكثر هشاشة، خاصة الأطفال وكبار السن، إلى جانب تعزيز العيادات الطبية المتنقلة لتقديم خدمات الولادة ومكافحة سوء التغذية الحاد في القرى والمخيمات.
كما ينبغي إقامة فصول تعليمية مؤقتة تعتمد على معلمين متطوعين ومناهج مختصرة، للحفاظ على مستقبل الأطفال ومنع انزلاقهم نحو مستقبل ضائع. ومع تمكين المجتمعات المستقبلة عبر مشاريع زراعية سريعة وصغيرة تدر دخلاً، لتخفيف الاعتماد على الإغاثة الخارجية وتعزيز الصمود المحلي الذي طالما كان رأس المال الحقيقي لهذا الشعب. فالسودانيون لم يكونوا يوماً أمة تعتمد على غيرها، بل شعباً عرف العطاء قبل أن يُبتلى بالجفاف.
غير أن الأمل ليس غائباً رغم قسوة المشهد. فهو حاضر في النسيج الاجتماعي السوداني الموروث من تكافل وتضامن. فهذا الشعب، بتنوعه الثقافي والديني، ليس مجرد ضحايا عاجزين، بل هو صامد وقادر على النهوض حين تتوافر الإرادة السياسية وتُستعاد الثقة المتبادلة. ومواجهة الفقر في زمن الحرب هي مقاومة يومية وواجب أخلاقي يبدأ بألا نترك الجائع وحيداً، ولا المريض بلا دواء، ولا الطفل بلا كتاب.
فكرامة الإنسان، التي هي جوهر المعركة ضد الفقر، لا تقاس بالخبز وحده، بل بامتلاك الحق في الأمل والانتماء، حتى في أعتى لحظات اليأس. والكتابة عن الفقر في السودان ليست رصداً للأرقام بقدر ما هي شهادة على إنسان يبحث عن كرامته وسط الأنقاض. وهذه الكرامة هي ما يبقينا بشراً حين يغيب كل شيء، وهي الجسر الذي يعبر بنا من واقع الثمانية من كل عشرة إلى مستقبل قد يختلف.
إذا ما تذكرنا أن الفقر ليس قدراً محتوماً بل نتيجة سياسات وحروب يمكن تجاوزها بإرادة إنسانية مشتركة لا تفرق بين ضفة النيل وأخرى. وأن الوعي الجمعي لأمة أنهكتها الحروب يظل الصدى الأبقى الذي لا تخفيه الغبار.
rukadam77@gmail.com
