هل يجئ غدٌ أفضل ؟ .. بقلم: تاج السر محمد بدوي

في زمن بعيد مضى أطلقت بعض الصحف الاجنبية على السودان لقب ” رجل افريقيا المريض” كناية عن أنه كان مؤهلا لدور كبير في القارة ولكنه مقعد بسبب المرض، وما يزال . واليوم ليس واردا أن نتطلع الى دور قيادي  في المنطقة ولكن السؤال الذي في خاطر الكل هو متى تتعافى بلادنا؟ اليوم ونحن على مرمى حجر من يناير جديد لا نطمع إلا في استعادة خضرة زرعنا وامتلاء ضرعنا! واستميح القارئ عذرا لأن أعيد بعض مقال سابق ، مع إضافة نقاط جديدة هنا وهناك ، لاعتقادي في أهمية بعض ما طرح.

لقد أصبح الناس يتوقون ويتطلعون الى أن تتبدل أحوالهم اليوم قبل غد ، وترى الحيرة في عيونهم والضجر في ملامحهم من سوء أحوالهم ومعيشتهم ومن القلق من أن لا يجئ غد أفضل. لقد سمعت بالفعل شابا في العشرينيات من عمره تلقى تعليمه الجامعي في الخارج يحكي عن أنه وزملاءه تندروا مرة حول أحوال بلدهم وطرحوا على أنفسهم سؤالا على سبيل الطرفة هو متى ينهض السودان ويصبح في مصاف دول بعينها؟ وللاجابة اختاروا ماليزيا مثالا فقالوا سنلحق بحالتها الراهنة بعد عشرين عام وتركيا بعد خمسين عام ودول أخرى بعد مائة عام وعندما ذكروا اليابان وأميركا واوربا قالوا سنلحق بهم يوم القيامة!

هذا التندر من جيل الشباب المحتار هو ذات التساول الذي تثيره كافة شرائح المجتمع عن متى يتغير حال السودان ويتغير اتجاه تردي الاوضاع في البلاد الذي وصل الى حد كارثي. إن أقل ما توصف به الاوضاع المزرية والمتأخرة التي يعيشها السودان في هذا القرن الحادي والعشرين هو أنه وضع غير طبيعي وشاذ لا ينسجم مع موارد البلاد البشرية والطبيعية قياسا بكل المعايير الدولية والاقليمية . إنه لوضع غير طبيعي وشاذ أن تحتل بلادنا مرتبة متقدمة بين أفقر دول العالم ولعقود طويلة بل وتحتل مواقع مخزية في ذيل قوائم الأداء الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وحقوق الانسان والنزاهة والشفافية وقوائم اكثر الدول فسادا وهلمجرا. يصح أن يقال أننا في مأزق تاريخي دخلنا فيه بفعلنا نحن أولا وأخيرا. فهل يجئ غد أفضل؟ ومتى وكيف؟؟

لابد من التغيير الآن، ولابد أن تكون هنالك نقطة يبدأ منها التغيير. إن البداية الاقل كلفة والاكثر سلمية هي أن يذهب نظام الانقاذ ومن جاء به طواعية ؛ فمن منطلق وطني بحت ينبغي أن يتنحى النظام وليكن من خلال الحوار. وأظن أن الذهاب السلمي يكفي ليغفر المجتمع للنظام أخطاءه السياسية والتنفيذية التي لا حصر لها.

قد توصف هذه الدعوة الى التنحي بالساذجة بالنظر إلى تعقد وتشابك مصالح الحاكمين الذاتية بعضهم مع بعض وتداخلها مع أجندات أجنبية ، وبالنظر أيضا الى نشوء مراكز قوى باطشة ترسخت جذورها على مدى عمر الانقاذ. ولكن الحقيقة تقول إنها ليست دعوة ساذجة بل واقعية ويمكن أن تكون دعوى حقوقية تستند أولا وأخيرا الى الدستور الذي يفرض على الحاكم أن يعمل لخير البلاد والعباد ولكنه عجز أن يفعل شيئا من ذلك، وبدلا من ذلك ها هي البلاد تتمزق وهاهي الارض تبور وهي غير جدباء وهاهو المواطن يئن من الفقر والعوز وأرضه تحمل الخير العميم على ظهرها وفي باطنها. لقد آن الأوان  ليغلب هؤلاء مصلحة البلاد ويتخلوا عن ادارتها لأنهم ببساطة سوف لن ينجحوا فيما فشلوا فيه طوال ربع قرن ، بل سوف لن تزول عن هذه السلطة صفة ” حكم الواقع ” وعدم الشرعية مهما طال بها الزمن.

هذه الدعوة الى التنحي هي الاجابة السلمية الوحيدة للسؤال التلقائي “ما هو الحل” الذي تسمعه من كافة شرائح المجتمع السوداني من المثقف ومن المواطن العادي. بالامكان أن يأتي هذا الحل من خلال الحوار، وليكن من أهم بنود الحوار أن لا يعقب ذهاب الانقاذ طواعية ملاحقات قضائية لمن ارتكبوا أخطاء سياسية وتنفيذية في حق المجتمع السوداني ، بل أيضا لمن ارتكبوا جرائم يمكن التنازل فيها عن الحق العام ؛ فمن المفهوم نفسيا أن يكون الخوف من الملاحقة والعقاب هو هاجس الكثيرين ممن هم في السلطة ، ولكن لا ينبغي أن يستمر هذا الهاجس سببا لارتهان الدولة كلها وحبسها أسيرة  في هذا الحالة غير الطبيعية والشاذة الذي أبتليت به البلاد.

وأبعد من ذلك ، ربما تكون الارضية التي قد يستند اليها التنحي هي أن يعلن التنظيم الاسلامي عن خطأ الانقلاب الذي دبره في 1989 وأن يعتذر للشعب السوداني وللمسلمين عن السلبيات التي ترتبت على الانقلاب وعن آثاره الكارثية على البلاد وعلى المسلمين عموما. وإن حدث الاعتذار أم لم يحدث فسوف يشهد المستقبل محاكمات أدبية من خلال كتابات صادقة تبين للتاريخ حقيقة ما جرى والمبررات الحقيقية لما جرى والادوار الي لعبت في يونيو 89. وليت هذا التنظيم يسجل بادرة حضارية باعتذار ينعي به مشروعه الميكيافيللي ، أليس الاعتراف بالحق فضيلة ؟

إننا نخشى البدائل الباهظة الثمن على البلاد والعباد ، وأمامنا بديلين لا ثالث لهما : البديل الأول هو أن يستمر الحال على ما هو عليه حتى تفرض علينا جهة أقوى وضعا لا نرضاه لمستقبل البلاد وينال من كرامتنا أكثر مما سمح به الانقاذ من إساءات ، والبديل الثاني أن تدخل البلاد في التجربة القاسية التي تمر بها دول المنطقة من حولنا من صراع دامي بين سلطة متشبثة بالحكم وشعب يريد الخلاص وسوف يقتحم الصراع جهات خارجية أقوى متربصة وجاهزة باجندتها وللاسف ستكون لها الغلبة على كيانات داخلية هزيلة ومتباعدة ومتصارعة.

الحل هو أن يتحاور الجميع حول البديل المثالي الذي يشغل الفراغ الذي سيحدث لو تنحى الانقاذ طواعية. والخطأ كل الخطأ أن يجري حوار أو يستمر حول قسمة السلطة لأن ذلك سوف يطيل من أزمة البلاد بل سوف لن يؤدي الى إصلاح أبدا. ونعتقد أن البديل المثالي هو حكومة انتقالية قومية تمثل الجميع ويرضى عنها الجميع وهاتان صفتان سوف لن تتوفرا إلا في تشكيل يمثل البلاد على أساس جغرافي وعلى أساس الكفاءة والخبرة. إن مرحلة ما بعد الانقاذ تحتاج الى حكومة قومية تمثل الجميع ، حكومة ذات رؤية وطنية واضحة لمرحلة التغيير العميق. ولابد أن تستمر حكومة كفاءات انتقالية قومية لسبع أو عشر سنوات على الاقل، لأن تغيير إرث الخراب الذي نشهد ومحو ثقافات الفساد والتشظي يحتاجان الى عدة عقود ولذلك يجب أن تكون مهمة الحكومة الانتقالية القومية هي فرض سلطة القانون الذي تفلت منه كل من برر لنفسه التفلت والى إرساء الاسس السليمة والراسخة لدولة المؤسسات التي لا يتعالى عليها أحد ولا يستطيع أحد أن ينتهك سلطاتها. وفي مقدمة المؤسسات بل أهمها الجيش الموحد ، حيث يجب أن يتفرغ الجيش فورا لاداء دوره المهني الوطني المشرف ليكون جاهزا في كل وقت لحماية البلاد والدفاع عنها ، نريد جيشا واحدا قويا يتشرف به ويدعمه الجميع. وبالمثل يجب أن تتفرغ قوات الامن الداخلي الى حماية أمن المواطن وحرماته بدلا من أن تكون عصا وأداة لحماية النظم الحاكمة. ونريد مؤسسات تبني ، عوضا عن هذه الجهوية الضيقة والمخزية وهذه الاطماع الحزبية والشخصية الضيقة التي آذت الوطن أيما أذى.

سوف تكون عملية التغيير شاقة للغاية بل تنتظر تضحيات وتضحيات لتغليب المصالح الوطنية العليا ، والى جهود كبيرة للتصدي لخارج فظ ما فتأ يثير الفوضى في بلادنا ويؤمن قطعا بان هذه الفوضى تخدم مصالحه ولذلك يسمونها فوضى خلاقة ، وبالمقابل من حقنا نحن بل من واجبنا أن نساهم بافكار خلاقة لمراحل التغيير وإعادة البناء ولخدمة مصالحنا الوطنية العليا.

وخلاصة القول أن ” الوقت ” هو جوهر كل فعل وقد قيل فيه صدقا إنه كالسيف إن لم تقطعه قطعك. فهل نستدرك ونخلص ما بقي فينا من حياة بتغيير عاجل ، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغييروا ما بأنفسهم.

znbmtaj@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً