هل يجوز إعدام شجرة؟ .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة
26 يوليو, 2020
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي, منبر الرأي
90 زيارة
كنت اتحدث هذا اليوم مع أخى حسن تاج السر بمقره فى لندن، ومن ضمن المؤانسة ذكرت له أننى بصدد قطع شجرة داخل حديقة المنزل لأنها لا تعجبني. فقال لي هل اتصلت بالمجلس البلدي The Council ؟ قلت له ما دخله ؟ . قال لي قبل سنوات بمنزلي القديم فى قيلديرس قريين ، كانت عندي شجرة تفاح بدأت تأكلها السوس وأرت إزالتها فقال لي الجنايني لازم تتصل أولا بالمجلس. قال عندما اتصل قالوا له لابد أن نبعث لك أولاً أختصاصي جراحة الشجر ليفحصها وهو الذي سيقرر مستقبلها إن كان صالحة أم العكس. فعلاً أتاه جراح الشجر ووافقه بعد معاينتها وتشخيص العلة أنها صارت معطوبة ولابد من إعدامها واستبدالها بواحدة جديدة. عاد مرة أخري بمعداته الجراحية وتم قطع الشجرة ، وكان معه جهاز يقوم بقص ونشر الاغصان وأوراقها ليتم جمعها فى أكياس ثم غرس فى الحديقة شجرة تفاح جديدة. طبعاً لم تكن هذه الخدمة مجانية لأنها تعادل عملية جراحة التجميل فى الطب التي يدفع أجرها كاملاً المريض من جيبه وليس على حساب الناشونال هيلث.
قال لي الأخ حسن هل تعلم أن مثل هذا القانون موجود فى السودان والمفروض يكون موجوداً وسارياً إلى اليوم . ومصلحة الغابات أيام كانت فعلاً هي مؤسسة ذات مفعول كان أيام هيبتها ممنوعاً قطع أي شجرة بدون إذن رسمي من عندها وللأسف عندما عّم الفساد و انفرط هكذا عقد الإنضباط والمصداقية فى تنفيذ القوانين فى المصالح وكل دواوين الخدمة المدنية باظت الدولة وتصحر الوطن ليس فقط فى سهوله وبواديه بل فى كل مصالحه الحكومية وحتى أفكار إنسانه.
تذكرت نهاية السبعينيات أيام كنت أمر كل صباح من الخرطوم جنوب عابراً جسر المسلمية قاصدًا عملي بمستشفى الخرطوم، كنت بعض الأحيان أدخل زائراً مقر مصلحة الغابات الواقع على الشارع جنوباً من الجسر لأنه كانت لهم صالة معرض كبيرة مثلهم ومصلحة السجون يعرضون نماذج من انتاج أنشطتهم الحرفية من أنواع الأخشاب المحلية ومصنوعاتها . ايضاً كنت على علم أنه كان لمصلحة الغابات بعثات تخصص ماجستير ودكتوراة يبعث دارسوها إلى انجلترا والولايات المتحدة، فيا ترى ما الذي ألم بهذه المصلحة المهمة جداً من خراب وتصحر ولماذا لا يعاد النظر فى إحياء نشاطها وتكوينها كمولود جديد يواكب طفرة تطور التقنيات الزراعية الحديثة ؟
طبعاً لا يفوت على القاريء الكريم فوائد الشجر العديدة وأهمها إضافة إلى مدنا بالثمار وزيوتها فمن الفوائد مجالها فى تنقية الجو ومساهمتها المختبرية الدقيقة بتبادل الغازات وتوفير الأكسجين. أيضاً الأشجار زينة الحياة الدنيا ومكنون الذكريات عند البعض ( أيام غابرة لم يعرف الناس فيها صالات الأفراح ، كانت أشجار الحراز مهبطاً آمناً ومريحاً للرحل وحتى محطات توقف السيرات والعرضة والبطان)، ورمز الصمود فى القرى وميادين وساحات المدن كلما كبرت حجماً وعمراً. لمحاربة التصحر أقترح محاربة بل تحريم قطع الأشجار بدون إذن، ومنع استعمال خشب سيقانها وفروعها لصناعة المراكب أو الفحم لأن البديل الصناعي متوفر اليوم فى الأسواق. أيضاً يجب غرس ثقافة إحترام النباتات والأشجار وحتى الأرض نفسها وأيضاً تشجيع الشباب ليجربوا البستنة كمهنة أو كهواية داخل وخارج منازل أهلهم. فشوارع الخرطوم التي تحيطها ثلاثة أنهر تشكوا من التصحر فى بلد وهج الشمس فيه الصيفي يحرق وجوه السابلة الذين يحتاجون بعض الأحيان إلى إستراحة يستجمون خلالها تحت ظل ظليل.
أذكر مرة فى التسعينات وأنا أعمل بمستشفى لينشوبينكغ الجامعي بوسط السويد أن حكى لنا أثناء تعاطي قهوة الصباح أحد الزملاء السويديين فرحاً أنه شارك مع “نفير” خلال عطلة نهاية الأسبوع وتمكن من غرس ألف شجرة على أرض أحد الغابات التابعة للبلدية. لماذا لا تتبنى البلديات فى كل مدن السودان أنموذاً كهذا عند بداية كل خريف، بل دعونا نقترح ونطرح شعاراً ننفذه : ” إزرع شجرة فستجمع وغيرك يوماً ثمرة”. ليت كل شوارع المدن السودانية تتحول إلى جنائن وبساتين وفواكه عناقيدها تتدلى حبلى بطيب الثمار. لقد سبقنا فى هذا المجال قبل عقود بالعقل والتنفيذ الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله، فتحولت مدينة أبوظبي بفضله وصبره وعطائه من صحراء توحل فيها الأقدام إلى جنة الله فى الأرض، بل تغير مناخ المنطقة برمته واعتدل. يا نعم الحاكم الذي إذا توفر سيكون مثل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (لقد صدق فحكم وعمل وعدل). يارب يتحقق ذلك الأمل والرجاء ليس فى السودان فحسب بل في كل بلاد المسلمين
الملخص:
عزيزي القاريء ، إذا كان حسب القانون فى السودان وإنجلترا والسويد وغيرهم لا يجوز إعدام شجرة بدون سبب وجيه، فكيف يجوز إعدام إنسان بدون سبب؟؟؟
هذا للأسف يحدث فى بلاد المسلمين وكمان من غير عذر وإعتذار لذوي الدم( وقد حرم الله قتل النفس إلا بالحق، حسب القرآن الكريم).
drabdelmoneim@yahoo.com