هل يكرهوننا؟ .. بقلم: عادل الباز
19 يناير, 2011
عادل الباز
37 زيارة
نسبة التصويت العالية التي حظي بها استفتاء الجنوب، ومظاهر الفرح الطاغي التي رافقت الاستفتاء ولا زالت دوائرها تنداح في العالم، إضافة إلى نسبة التصويت العالية في الشمال لصالح الانفصال، جعلتني أتأمل هذه الحالة وأطرح هذا التساؤل: هل يكرهوننا؟ هل يكرهنا الجنوبيون بحق؟. أم أنهم كرهوا المظالم التي شكوا منها طيلة فترة عيشنا المشترك؟. أم أن أحلام الدولة الجديدة صعنت هذه الحالة من الفرح الطاغي، فتم التعبير عن تلك الأشواق بهذا الاندفاع المحموم تجاه صناديق الاقتراع؟.
لست على قناعة بأن ما جرى من تصويت واحتفالات يعبّر عن حالة كره جنوبي للشماليين، بقدر ما هو تعبير عن أشواق لبلوغ الأحلام. لقد عاش السودانيون في تاريخهم حالة كتلك، عشية الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي. لقد كانت الأشواق والتطلعات في ذلك الزمان عظيمة، وقد حشد السودانيون عواطفهم تجاه الاستقلال وتوحدوا، بعد أن تصارعت نخبهم لسنوات، متأرجحة بين الوحدة مع مصر، والاستقلال عنها. عشية الاستقلال عبّروا عما دار في جوانحهم بطريقة جنونية كالتي نشهدها الآن. لم يكن التعبير عن أشواق الاستقلال كرها في المصريين، ولا حتى نكاية في الإنجليز المستعمرين الحقيقيين، ولكن هي حالة للتعبير عن التطلعات والآمال التي تراودهم آنذاك. الدليل على ذلك أن التاريخ لم يسجل حالة كراهية للمصريين، كما لم يتم تخوين المنادين بوحدة وادي النيل، لا، بل هم الذين قادوا مسيرة الاستقلال من داخل البرلمان. المصريون الذين بقوا بين ظهرانينا كانوا موضع تبجيل واحترام. لم يفكر سوداني في الاعتداء على مصري أو انجليزي داخل السودان، ولم تنبت بذرة كراهية بين المصريين والسودانيين يوماً. ولا يزال الشعب المصري أحب شعوب الأرض لقلوب السودانيين وعقولهم.
الآن، ومهما تكن تلك المظالم التي اشتكى منها الجنوبيون، لم تتسرب الكراهية إلى نفوسهم تجاه الشمال، رغم مرارات الحرب التي خاضها الجنوب ضد الشمال، أو الشمال ضد الجنوب، إلا أن ذلك لم يمنع الشماليين وفي أوج تلك الصراعات والحروب من إيواء الجنوبيين. كانت هجرة الجنوبيين غالباً شمالاً، وتلك إشارة ذات دلالة موحية في علاقة الشعبين في الشمال والجنوب، ولا يمكن فهمها إلا في إطار العلاقات الخاصة التي ترسخت وأفرزت مناخاً ـ إن لم يكن من الحب ـ فهو دلالة بليغة على الثقة المتوافرة بين شعبي الوطن، كما لا يمكن تصور أن شعب الجنوب يكره شعب الشمال وهو يزحف باتجاهه بحثا عن أمكنة آمنة تأويه من جحيم الحرب. يستحيل أن يشعر شعب بأنه مكروه من شعب آخر فيهرب إلى أحضانه. هذا ضد حقائق الأشياء. ثم الإشارة الدامغة لانتفاء حالة الكره هو الترحيب الذي ظل يلقاه الجنوبيون الفارّون من الحرب للشمال. لقد عاش الجنوبيون بين إخوانهم في الشمال دون أن يحسوا بحالة بكرههم، كان جل ما شكوا منه حالة الاستعلاء الشمالي تجاههم. ولكن في حقيقة الأمر هذه الحالة ليست مقصورة على الجنوبيين فحسب، بل حالة ممتدة بين قبائل تشعر باستعلاء تجاه أخرى، وهي أمراض عنصرية تصيب الدولة المتقدمة والمتخلفة على السواء، أمريكا نموذجاً دون تفصيل.
الآن، بماذا يوحي إلحاح الجنوبيين في المطالبة بالجنسية المزدوجة؟. هل يكرهننا الجنوبيون ويحبون العيش بيننا في آن واحد؟ كيف يتأتَّى ذلك؟. لا يمكن العيش المشترك تحت سقف الكراهية. هذا الإلحاح دليل على إمكانية عيش مشترك، دون أن يعرف المتعايشون معنًى للكراهية.
غدا ستبلغ فرحة الجنوبيين مداها، وسيسعدون ويرقصون على إيقاع الدولة الجديدة، وبعد حينٍ ستطوى صفحة الأحلام هذه، وتشرق شمس التحديات، وعلى ضوئها سيرى الإخوة في الجنوب الحقائق على الأرض كما هي. ستغسل المرارات بماء الأحلام, أحلام الدولة الجديدة،
وستنتهي إلى الأبد مفاهيم مواطنين من الدرجة الثانية، والاستعلاء العرقي، والثقافي، وسيتعايش شعبا الجنوب والشمال بلا عقد ولا مرارات، بمعنى أن تاريخاً جديداً مشتركا يُصنع الآن هنا وهناك.