السؤال الذي يطرح نفسه اليوم في السودان ليس: هل نريد الحوار أم لا؟
فالحوار، من حيث المبدأ، هو الطريق الأفضل لإنهاء الحروب وبناء الدولة الديمقراطية. السؤال الأكثر صعوبة هو: هل تتوافر الآن الشروط السياسية التي تجعل الحوار وسيلة حقيقية لإنهاء الحرب، أم أنه يمكن أن يتحول إلى أداة تمنح الطرف الأقوى فرصة لإعادة إنتاج سلطته؟
في ظل توازنات القوى الحالية في السودان، أعتقد أن الإجابة تميل إلى الاحتمال الثاني.
إذا كانت الحركة الإسلامية، من خلال نفوذها داخل مؤسسات الدولة وقيادة الجيش وشبكاتها العسكرية والاقتصادية والإقليمية، لا تزال تمتلك من أدوات القوة ما يسمح لها بفرض شروطها على أي عملية تفاوض، فإن الدعوة إلى الحوار من دون تغيير موازين القوى قد تعني عملياً مطالبة الطرف الأضعف بالدخول في تفاوض غير متكافئ.
وهنا تكمن المشكلة.
فالحركة الإسلامية السودانية لا تدخل الحوار السياسي اليوم باعتبارها حزباً سياسياً عادياً ينافس بقية القوى على السلطة. فتجربتها منذ انقلاب 1989، مروراً بإعادة إنتاج سلطتها عبر مؤسسات الدولة، ثم انقلاب 25 أكتوبر 2021، وما ارتبط بتلك المراحل من عنف وانتهاكات، تجعل قضية الثقة السياسية مركزية في أي حوار معها.
والأمر لا يتعلق فقط بما فعلته في الماضي، وإنما بالسؤال عما إذا كانت قد حدثت لديها مراجعة فكرية وسياسية حقيقية لمفهوم السلطة، ولعلاقتها بالآخر السياسي، ولحق المجتمع في تغيير الحكومة سلمياً.
فالتيار الذي لا يعترف بشرعية الآخر إلا عندما يكون الآخر ضعيفاً، لا يمكن أن يكون شريكاً متكافئاً في عملية ديمقراطية.
الحوار يحتاج إلى توازن قوة
هناك وهم سياسي شائع يقول إن مجرد الجلوس إلى مائدة واحدة يمكن أن ينتج السلام.
التاريخ يقول شيئاً أكثر تعقيداً.
الحوار السياسي الناجح لا يقوم على النوايا الحسنة وحدها، وإنما على توازنات تجعل أطرافه تدرك أن استمرار الحرب أكثر كلفة من التسوية.
ولهذا فإن المشكلة ليست في الحوار نفسه، وإنما في شروط الحوار وموازين القوى التي تحيط به.
إذا دخل طرف إلى المفاوضات وهو يعتقد أنه يستطيع تحقيق أهدافه عسكرياً، فلن يكون لديه حافز حقيقي لتقديم تنازلات جوهرية. أما عندما يدرك الطرفان أن لا أحد يستطيع تحقيق نصر كامل، وأن استمرار الحرب سيؤدي إلى خسائر أكبر، يصبح الحوار أكثر واقعية.
ومن هنا فإن الدعوة إلى تغيير موازين القوى لا تعني بالضرورة الدعوة إلى الحرب من أجل الحرب، ولا تعني استبدال مشروع الدولة المدنية بمشروع عسكري مضاد.
المقصود هو أن يصبح الرفض السياسي للدولة الدينية والحكم العسكري قابلاً للدفاع عنه على أرض الواقع، لا مجرد موقف أخلاقي جميل بلا أدوات سياسية تحميه.
درس التاريخ: لا يكفي مخاطبة العقل حين تكون السياسة قائمة على التعبئة العاطفية
تاريخ الأنظمة الشمولية يقدم لنا درساً مهماً هنا.
الأيديولوجيات الفاشية والنازية لم تعتمد فقط على بناء منظومات فكرية متماسكة، وإنما نجحت في تعبئة مشاعر الخوف والغضب والانتماء القومي، وتحويل السياسة إلى علاقة عاطفية بين الجماعة و«العدو».
ولهذا فإن مواجهة مثل هذه المشاريع بمجرد خطاب عقلاني عن الديمقراطية والمؤسسات قد لا تكون كافية.
عندما غزت ألمانيا النازية الاتحاد السوفيتي عام 1941، لم يخاطب ستالين الشعب الروسي في خطابه الشهير من زاوية الدفاع عن الاشتراكية وحدها. بل استدعى الذاكرة الوطنية الروسية، وتحدث عن الوطن الأم، وعن تاريخ الشعب الروسي في مقاومة الغزاة، واستحضر رموزاً وبطولات تاريخية أقدم من الثورة البلشفية نفسها.
كان يدرك أن المجتمع في لحظة الخطر لا يتحرك بالأفكار المجردة وحدها، وإنما تتحرك فيه أيضاً الذاكرة والهوية والشعور بالانتماء والكرامة والخوف والرغبة في الدفاع عن الجماعة.
هذه ليست دعوة إلى استبدال العقل بالعاطفة، وإنما إلى فهم أن السياسة ليست نشاطاً عقلياً خالصاً.
لكن هناك فرقاً بين التعبئة الشعبية والحرب الأهلية
وهنا يجب أن نكون حذرين جداً في إسقاط هذه التجارب على السودان.
ليس المطلوب أن تواجه القوى الديمقراطية الحركة الإسلامية بمنطق «إسلامي» مضاد، ولا أن تنتج مشروعاً أيديولوجياً مقابلاً، ولا أن تدخل في سباق تسلح لا نهاية له.
فالهدف يجب أن يكون مختلفاً تماماً:
إعادة بناء ميزان سياسي واجتماعي وعسكري يجعل استمرار احتكار السلطة مستحيلاً، ويجعل التسوية الديمقراطية أكثر جاذبية من استمرار الحرب.
وهذا يتطلب تعبئة المجتمع حول فكرة الدولة والمواطنة، ولكن ليس باعتبارها شعارات مجردة، وإنما باعتبارها قضية دفاع عن الوطن وحق السودانيين في تقرير مستقبلهم.
الدولة المدنية ليست فكرة باردة.
يمكن أن تصبح قضية عاطفية ووطنية عميقة:
الدفاع عن حق الأبناء في الحياة، وعن حق الأسر في العودة إلى بيوتها، وعن حق المواطن في ألا يُقتل لأنه ينتمي إلى منطقة أو قبيلة أو حزب، وعن حق السودانيين في أن تكون الدولة ملكاً لهم لا ملكاً لتنظيم سياسي أو مؤسسة عسكرية.
تجربة أكتوبر الكندية
يمكن استحضار تجربة كندا بصورة أكثر دقة.
أثناء أزمة أكتوبر عام 1970، واجه رئيس الوزراء بيير ترودو تنظيم الجبهة المسلحة في كيبيك، التي استخدمت الاختطاف والعنف والتفجيرات لتحقيق أهداف سياسية. وقد اتخذت الحكومة إجراءات استثنائية، أشهرها تفعيل قانون تدابير الحرب.
لكن الدرس الكندي الأهم ليس أن الدولة «هزمت العنف بالعنف»، وإنما أن الدولة الديمقراطية لم تسمح لتنظيم مسلح بأن يفرض قواعد اللعبة السياسية على المجتمع.
وهذا هو الفارق الجوهري.
الديمقراطية تحتاج إلى قوة تحميها، لكنها لا تتحول إلى ديمقراطية إذا أصبحت القوة هي مصدر الشرعية.
السودان يحتاج إلى معادلة مختلفة
لذلك فإنني لا أرى أن الحل يكمن في أن نختار بين «الحوار» و«مواجهة الحركة الإسلامية».
المعادلة الصحيحة هي:
قوة سياسية ومجتمعية كافية لفرض حوار عادل، وحوار يؤدي إلى إنهاء احتكار السلطة، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية، ومحاسبة من ارتكب الجرائم وفق القانون.
الحوار هنا ليس بديلاً عن تغيير موازين القوى؛ بل هو النتيجة السياسية لتغيير تلك الموازين.
وإذا كانت القوى الديمقراطية تراهن فقط على المجتمع الدولي، فإنها تكرر خطأً استراتيجياً آخر. فالمجتمع الدولي لا يستطيع أن يصنع بديلاً سودانياً من الخارج. وهو في نهاية الأمر يتعامل مع القوى التي تملك القدرة على التأثير في الواقع.
لذلك لا ينبغي انتظار أن يفرض الخارج الحل.
المطلوب بناء قوة سودانية حقيقية: سياسية، مدنية، شعبية، مهنية، إعلامية، ودبلوماسية، وقادرة على تنظيم المجتمع حول مشروع وطني يتجاوز الاستقطاب الأيديولوجي، ويجعل أي طرف مسلح يدرك أن المستقبل لن يكون استمراراً للماضي.
عندها فقط يصبح الضغط الدولي مفيداً؛ لأنه يجد وراءه قوة سودانية تستطيع تحويل الضغط إلى تسوية سياسية.
الحوار ليس استسلاماً، كما أن القوة ليست بديلاً عن الديمقراطية
المشكلة في النقاش السوداني أننا كثيراً ما نضع الحوار والقوة في طرفين متناقضين.
لكن السياسة الواقعية أكثر تعقيداً.
القوة من دون مشروع ديمقراطي قد تنتج ديكتاتورية جديدة. والحوار من دون قوة تفاوضية قد ينتج شرعنة للوضع القائم.
ولهذا فإن المطلوب ليس إلغاء الحوار، وإنما منع تحويل الحوار إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة التي أدت إلى الحرب.
إذا كانت الحركة الإسلامية تريد فعلاً العودة إلى الحياة السياسية، فالباب يمكن أن يكون مفتوحاً أمامها باعتبارها تياراً سياسياً، ولكن ليس باعتبارها قوة فوق الدولة، ولا باعتبارها صاحبة حق حصري في تحديد مستقبل السودان.
وعليها أن تقبل، مثل غيرها، بقواعد الديمقراطية: التداول السلمي للسلطة، المساواة أمام القانون، الاعتراف بالآخر، الجيش المهني القومي، وحق المجتمع في محاسبة من ارتكب الجرائم.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل تستطيع الحركة الإسلامية أن تقبل بالديمقراطية حتى عندما تكون الديمقراطية هي التي ستُخرجها من السلطة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الحوار ممكن. مع ان اى مراقب أمين يعلم تماما ان الإجابة بكل تأكيد هى “لا”.
أما إذا كان الحوار بالنسبة إليها مجرد وسيلة لكسب الوقت، وإعادة ترتيب الصفوف، ثم العودة إلى احتكار الدولة، فإن المشكلة ليست في رفض الحوار، وإنما في رفض الحوار الذي لا يقود إلى تغيير حقيقي في قواعد اللعبة السياسية.
ولهذا فإن السودان لا يحتاج إلى حوار بأي ثمن.
إنه يحتاج إلى حوار تفرضه موازين قوى جديدة، وتحميه ضمانات حقيقية، وينتهي إلى دولة لا يستطيع فيها أي حزب أو جيش أو تنظيم ديني أن يحتكر الوطن.
طلعت محمد الطيب
