هل يكفي أن نبوح عما في قلبنا لنُفهم؟
أم أن كلماتنا، مثل قوانين القلب أحيانًا، تخضع لطبائع من يسمعها، فيُرى بعضها بعين، ويُساء فهم البعض الآخر؟
كثيرًا ما أطرح هذا السؤال على نفسي، كلما خرجت من حوار وأنا أشعر أنني قلت ما أريد، ومع ذلك لم أصل. لا لأنني أخفيت المعنى، بل لأن الطريق بين القلوب ليس مستقيمًا كما نتصور، ولأن الكلمات، مهما بدت صافية، لا تسافر وحدها، بل تحمل معها مزاج من يسمعها، وتاريخه، وما يفيض أو يضيق في داخله في تلك اللحظة تحديداً!
في كل مرة أظن أنني أوضحت نفسي، أكتشف أنني لم أفعل؛ ليس لغموض كلماتي، بل لأن الوضوح نفسه يُقرأ بعيون مختلفة. أقول الجملة ذاتها، بالنبرة نفسها، وبالقلب نفسه، فيسمعها أحدهم حنانًا، ويتلقاها آخر بوصفها توبيخًا، وتمر عند ثالث بلا أثر. عندها فقط أفهم أن الكلمات بريئة، وأن الأرواح وحدها هي التي تمنحها سمعتها، وأن المعنى لا يسكن الحروف، بل يتشكل في المسافة بين قائلها وسامعها.
من عادتي أنني مستمعة جيدة. أُنصت طويلًا، وأمنح الحديث زمنه، وأترك للآخرين حقهم كاملًا في أن يقولوا ما يريدون بالطريقة التي يريدونها. الإصغاء عندي ليس مجاملة، بل قناعة، ومع ذلك لا يُقرأ دائمًا كما هو؛ فمرّة يُحسب انتباهًا، ومرّة يُفسَّر فتورًا، وأحيانًا يُؤوَّل على أنه لا مبالاة. ربما لأن الهدوء يربك من اعتاد الضجيج، وأن الصمت يثير الشك أكثر مما يمنح الطمأنينة.
وعلى عكس ما قد يبدو في الغالب، لست دائمًا على حال واحدة. أحيانًا أكون ثرثارة، أفيض بالكلام، وأحيانًا أخرى أتحول إلى شخص مقتضب، يختصر الجملة إلى حدّها الأدنى. ليس تناقضًا، بل استجابة لما أحمله في تلك اللحظة؛ فبعض الأحاديث يوقظ داخلي رغبة في المشاركة، وبعضها يحمّلني مشاعر ثقيلة تتسلل إليّ رويدًا رويدًا. ليس ضروريًا أن نكون عاقلين وناضجين طوال الوقت، ولا بأس في ذلك؛ فبين العقل والجنون مساحة صغيرة، وفي هذه المساحة تتأرجح الهمسة… همسة الحقيقة والقلب.
وأحيانًا، لا أكون لا ثرثارة ولا صامتة، بل أختار الانسحاب المؤقت. أعتذر، وأغادر، وأتجاهل محادثة مباشرة أو رسالة عبر وسائل التواصل، بلا قسوة ودون استخفاف، ببساطة لأن الكأس قد امتلأ عن آخره بسلبية طغت على مزاجي، تلقيتها ولم أعد قادرة على الحديث أو مجاراة همساته. وأحيانًا أخرى أكون ممتلئة مسبقًا بمشاكلي وهمومي، فلا أملك الطاقة للاستماع لهموم إضافية. في تلك اللحظات، يصبح الابتعاد شكلًا من أشكال الحفاظ على النفس، لا جفاءً ولا انقطاعًا عن المحبة، بل هو حفظ همستي وقلبي.
ومع الوقت، تعلّمت أن كثيرًا من سوء الفهم لا يتعلق بما نقوله، بل متى نقوله، ولا بكيف نُصغي، بل بتوقيت الإصغاء نفسه. فالكلمة الصادقة في وقت غير مناسب قد تُثقِل، والاهتمام حين يأتي متأخرًا قد يُساء فهمه، والصمت حين يُطلب الكلام قد يُوجِع. لهذا، فان مراعاة التوقيت هي أحد أرقى أشكال الاحترام، سواء للصديق، أو للقريب، أو لأي إنسان نشاركه مساحة الكلام.
وبنفس الطريقة، أحيانًا، نحتاج لأن نحترم وقت أنفسنا أيضًا. لأنفسنا فقط، نحتاج أن نختلي بروحنا. جلسة على شرفة، كوب قهوة، أو لحظة نجلس فيها مع صمتنا الخاص، لنسترجع ما أرهقنا من ضجر وهموم، ونعيد شريط حياتنا ببطء إلى ريع أهدأنا. في هذه اللحظات، نكافئ همسنا بوحدتنا، ونعيد شحن أنفسنا بالطمأنينة والايجابية قبل أن نعود إلى العالم.
ومع إدراكنا لحق أنفسنا في الصمت والانعزال، صرت أفهم أن الآخرين يستحقون أيضًا مساحة، دون توقع أن يكونوا دائمًا جاهزين لي. لهذا أيضًا، لم أعد أُعلي سقف توقعاتي من أحد، ولا أطلب من الناس أن يكونوا جاهزين لي دائمًا، كما لا أُلزم نفسي بأن أكون حاضرة في كل حين. تركت للإصغاء معناه الحقيقي، وللصمت حقه، وللانشغال الحياتي مبرراته. من يعرف كيف يُنصت، سيفهم دون شرح طويل، ومن لا يحتمل الصمت، لن تنقذه كثرة الكلام. فالهمسة الصادقة تجد طريقها في النهاية إلى القلب الذي يعرف لغتها، والسؤال الذي أتركه مفتوحًا للقارئ:
كم مرة ضاعت همساتنا في توقيت لم يُفهم، أو في توقعات لم نخفّض سقفها؟
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم