وأبدت المصادر دهشتها! .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل

غرباً باتجاه الشرق

mustafabatal@msn.com

الخبر يقول أن مدير المكتب التنفيذي بوزارة المعادن بعث، بناء علي توجيه وزيرها، برسالة الي مدير المكتب التنفيذي لوزارة الموارد البشرية. ويضيف: (وقد حصلت “الصحافة” على نسخة من الرسالة المؤرخة في 11 فبراير وتنص علي ما يلي: وفاءً لتوجيه السيد وزير المعادن أرجو ان أرفق لعنايتكم المذكرة الخاصة بسلطات الوزير القومي في وزارته للتكرم بتأمين عرضها علي الاستاذة إشراقة سيد محمود وزيرة تنمية الموارد البشرية). ثم تتفضل الصحيفة مشكورة فتضيف من عندها هذه المرة: (وأبدت مصادر مطلعة دهشتها حيال رسالة وزير المعادن، بأعتبار أن سلطة الوزير يحددها مرسوم رئاسي ينبغي أن يطلع عليه الوزير لدى تعيينه.وقالت المصادر أن وزيرة الموارد البشرية ظلت في منصبها فترة طويلة وبإمكانها طلب إستشارة من الأمانة العامة لمجلس الوزراء أو وزارة العدل في أي شأن قانوني وليس من وزارة أخرى في حال لم تكن تعرف سلطاتها وصلاحياتها)!

هل تجسس محررو )الصحافة( علي مقر الوزيرة، كما تجسس رجال نيكسون علي مقر الحزب الديمقراطي بمجمع ووترغيت في سبعينيات القرن الماضي، ثم صوروا وهرّبوا رسالة الوزير الى الوزيرة؟كلا.هل نسيت الوزيرة الرسالة علي طاولة بفندق هيلتون أثناء تناولها طعام الغداء، فاهتبل النادل الفرصة وصادر الوثيقة ثم باعها للمحرر لقاء مبلغ محترم؟ أبداً. كيف وصل أمر الرسالة والمذكرة إذن – وهما جزء من مكاتبات سرية – الى الصحافة؟  بسيطة. كل من له أدنى صلة بدهاليز الجهاز التنفيذي وطقوسه الماسونية سيعرف  – أو يستنتج – على الفور أن وزيرة الموارد البشرية تسلمت الرسالة بالفعل، وقرأتها، فأحست بالغيظ، وانفقعت مرارتها، واستغرقها الغضب، فعجزت عن التحكم في مشاعرها وانفعالاتها. ثم أوعزت الى واحد من موظفي مكتبها الموثوقين بتسريب الرسالة والمذكرة الي الصحافة لأغراض لا تخفي علي اللبيب. ولسان حالها يقول: من أنت يا كمال عبداللطيف حتي تعلمنا شغلنا؟!

منطق الأشياء يقول أن رسالة الوزير الى الوزيرة (التي أدهشت المصادر) كما تقول الصحيفة، لم تصدر من فراغ. وأن الوزير لم يبعث بها هكذا (من الباب للطاق)، بلا سبب أو مسوّغ.  أغلب الظن أن الوزيرة تجاوزت حدود سلطاتها وإختصاصاتها– في أمور خفيت علينا – وتغولت على جهات لا تحتمل التغول، فأراد الوزير أن يذكرها بالأصول والضوابط المرعية فيما يتعلق بممارسة الاختصاصات الوزارية. أو بعبارة أخري أن يقول لها: “أرعى بي قيدك”!

العمل الصحفي الاحترافي الحقيقي كان يقتضي أن تقوم الصحيفة – إذا كانت ترى فعلا أن أمر الرسالة (مثير للدهشة) كما تزعم – بملاحقة وزير المعادن واستنطاق مسئولي وزارته، ومسح مناطق التداخل المحتملة بين الشخصيتين  والوزارتين، بغرض استكشاف خلفيات الرسالة، وتقصي معانيها، وتحري مغازيها. ثم تبسط نتائج تحقيقاتها الصحفية بعد ذلك علي القارئ.  ولكن الصحيفة الغراء تقاعست عن الدور المهني المناط بها،وآثرت– وكلٌ ميسّر لما خلق له – أن تجعل من نفسها مجرد أداة،  حتي لا نقول مخلب، في يد أحد الطرفين!

الغريب أن من يقرأ نص الخبر يكتشف علي الفور أن المادة المنشورة مصاغة كلها بأسلوب مكاتب العلاقات العامة الحكومية. أى أن الصحيفة تسلمته من مكتب الوزيرة (صرة في خيط)، ونشرته كما هو دون أن تضيف نقطة او تحذف شولة. ولكننا سنفترض أن عنوان الخبر من وضع الصحيفة، إذ لو ثبت أن العنوان أيضا جاء ضمن الصرة والخيط لكان الخطب أفدح. العنوان يُقرأ: (المعادن تحدد لوزارة الموارد البشرية سلطات وزيرتها). وهو عنوان تهريجي مفتعل، يفتقر الى المصداقية، وينتمي الى مدرسة صحفية معروفة إسمها (المديدة حرقتني)!فالرسالة، بحسب ما نشرته الصحيفة نفسها، لا (تحدد) للوزيرة سلطاتها، بل فقط تذكرها بحدود هذه السلطات وضوابطها. وفارق بين هذا وذاك. وليس من ذكّر كمن حدّد!

الذي نرتجيه ونتأمّله من صحافتنا، ونحن نتوغل في الثلث الأول من القرن الحادي والعشرين، هو أنتُعلي من قدر نفسها فتتوخي دوراً تنويرياً يزكي قيمها المهنية، ويجعل منها سلطةً قائدة في حياتنا العامة. بدلاً من أن تكون موئلاً للمكايدة ومعقلاً لإدارة الخصومات، بالوكالة عن اللاعبين المؤثرين في ساحات المدافعة السياسية.

ويا سيادة وزيرة الموارد البشرية: أصلحك الله وأصلح بك. هدئي من روعك. وتذكري أن (الوزير المؤمن مرآة أخته الوزيرة المؤمنة). وأعلمي – أعزك الله – بأن الوزراء،  في شريعة الإنقاذ التي لا تعرف الدغمسة، قوامون علي الوزيرات!

نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)

عن مصطفى عبد العزيز البطل

مصطفى عبد العزيز البطل

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً