وإذا معالم ثورة ديسمبر انتثرت.. وإذا مطامع أعدائها انكسرت

wadrajab222@gmail.com
كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
لطالما سُجن التحليل السياسي للثورات في زاوية “الاحتياج”، وحاول البعض تصنيفها كفعل غريزي ناتج عن ضيق العيش. تمهيدا لتصفيتها او التقليل من جذوتها… بيد أن ثورة ديسمبر السودانية جاءت لتقدم درساً مغايراً، يفرق بصرامة بين “ثورة الجوع” و “ثورة الوعي”.
فكما يقول المغني العظيم بوب مارلي في مقولته الشهيرة: (A hungry man is an angry man). فالجوع بطبيعته يولد غضباً انفعالياً مرتبطاً بـ “الأنا” البيولوجية. في ثورات الجوع، حيث يتجسد مشهدا درامي مكرر عبر التاريخ، عندما يعتمل غضب الجياع فتُكسر المحال التجارية، وتُنهب البضائع، وينتشر “الحرافيش” في الأرجاء معلنين عن خواء بطونهم بنزق الجوع وفرط الحرمان. إنه مشهد “هابط” بطبعه، حيث تسود الغريزة ويصبح البقاء لذوي الايدي الطويلة، وتتحول الجموع إلى طاقة هدم مدفوعة بيأس الأمعاء. إن ثورات الجياع انما هي حالة تتردى فيها الأنفس نحو الاسفل… فهنالك يبدأ مسار اللقمة من اليد إلى الفم الي المعدة ثم الامعاء وصولاً إلى القاع البيولوجي حيث باب الخروج، وهي دورة تنتهي بالضرورة بمجرد الإشباع أو الانكسار. وهي حالة تعبر عن أكثر حالات الإنسان بهيمية.
أما ديسمبر، فكانت على النقيض تماماً. من ذلك التصور. فقد كانت تتذرع بـ “تُقى الوعي”. فما ألتفت بل أصلحت، ولا نهبت بل أعطت. وفي ذاكرة أهل السودان مناظر بانورامية تبرهن على هذا السمو، فمن ينسى ذلك الطفل الذي وقف عند أول أيام اندلاع الثورة في شارع الموردة بأمدرمان يوزع الخبز على الثوار بابتسامة تسبق يده؟ ومن ينسى “حافظات الماء” التي وُضعت أمام البيوت للسقيا، إيذاناً بتقدم الوعي الذي يرى في الغريب رفيقاً وفي الثائر أخاً؟
أما التجلي الأكبر لهذا السمو، فقد كان في إبان أيام الاعتصام – ألا سقى الله أيامها المباركات – حيث تحولت ساحة القيادة إلى مدينة فاضلة، فاضت بـ “وفرة القِرى”. هناك، انمحت الفوارق الطبقية، وبرع أصحاب رأس المال في بسط موائدهم عطاءً بلا كمٍ ولا كيفية، أيادٍ مبسوطة، ودواخل متبتلة، وموائد مبثوثة على مدي البصر للجائع والمعتر، في حالة صوفية من التكافل جعلت من “إشباع الآخر” غاية أسمى من “إشباع الذات”.
هذا الوعي ليس فعلاً مادياً، وإنما مجموعة من المحددات والأطر المعرفية المختزنة في ذاكرة جمعية، ينصهر فيها التطلع نحو قيم مطلقة. ومن هنا، تميزت الثورة بسمتين:
أولاً: المرونة (Resilience)
وهي قوة البقاء تحت الضغط دون فقدان الجوهر. فبينما تخمد ثورات الجياع عند أول صدام مع الندرة، أظهرت ديسمبر مرونة “عضوية”؛ فكلما حاصرتها المكاره، استدعت مخزونها من “القِرى” لتعيد بناء صمودها بناءً على مخزونها القيمي، لا على واقعها المادي.
ثانياً: السكينة (Serenity)
لقد تجلت هذه السكينة في رباطة جأش وانضباط أخلاقي منع الثورة من الانزلاق نحو الغوغائية. إنها سكينة الوعي الذي يدرك أن طريقه هو “بناء” لا مجرد “هدم”، وأن النصر الحقيقي يكمن في التمسك بالقيم المطلقة حتى في أحلك اللحظات.
وهنا لابد أن الوقوف قليلاً عند “الأعداء” فالحرب لم تكن قدراً محتوماً بقدر ما كانت إرادة تراجع ومخططاً ممنهجاً لمن أراد للثورة الاختفاء والمحو. لقد أرادوا للحرب أن تكون ممحاة للمعالم، لكنها “انتثرت” في الأرجاء كويكبات تنير أركان الظلمة وتبدد تخرصات المدافع. إنها جذوة تعتمل في الوجدان، لا تذيبها حمم النيران، وإنما تصهرها لتعود لتشع ضياءً وسنى، محصنة بشعارها الأثير الذي شكل لها عاصماً من الاختناق: (حرية، سلام، وعدالة).
لقد انكسرت مطامعهم عندما ظنوا أن الرصاص سيقتل الفكرة، وانبعثت الثورة في ذكراها السادسة لتعلن أنها لا تزال في مسارها الصاعد لولبيا نحو عنان السماء. وهتافها “العسكر للثكنات.. والجنجويد ينحل” لم يكن صرخة غضب، وإنما الإعلان النهائي عن انتصار سكينة الوعي ومرونته على فورة الغريزة وإرادة الدمار. إنها ثورة أتت من مراقي الوعي، ومهما حاصرتها الأرض بضرام النيران من حولها، فستظل قادمة من مظنة الوعي انسكابا بلا نضوب.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …