نزار عثمان السمندل
برلين تتهيأ لامتحان ثقيل، مدينة تُحسن الإصغاء لخراب العالم حين يكثُر، وتفتح قاعاتها لوجع يتدفق من ضفاف النيل مثقلاً برماد البيوت وأسماء الغائبين. موعد في الخامس عشر من أبريل 2026 يُستدعى إليه السودان بملفه المفتوح على نزفٍ طويل، نسخة ثالثة من مؤتمر يحمل عنوان السلام وإعادة الإعمار، فيما الوقائع على الأرض تكتب سيرة أخرى، سيرة بلد يتآكل من داخله، وتضيق به احتمالات النجاة.
الدعوات وُزعت على نحو أربعين اسماً من طيفٍ سوداني واسع، سياسيين وفاعلين مجتمعيين ومستقلين. القاعة تحاول أن تجمع ما تفرّق في الميدان، بينما المشهد يتقدم ببطء نحو لحظة اختبار قاسية، حيث تبدو اللغة الدبلوماسية أقل قدرة على حمل هذا الثقل، وحيث يتراجع التفاؤل إلى الهامش تاركاً المساحة لقلق كثيف يراقب مصير بلد يتداعى على مرأى العالم.
في الأثناء، صدر كلام عن دوائر القرار في واشنطن، يوحي بتبدّل في المزاج. انشغالٌ بحروب أخرى يبتلع الوقت والاهتمام، والملف السوداني ينزلق تدريجياً إلى أطراف الصورة.
تصريح مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، يضع خطوطاً واضحة؛ هدنة إنسانية بإشراف أممي، ممرات للمساعدات، تهيئة لحوار بين الأطراف. العبارات تبدو محسوبة، لكنها تحمل في طياتها اعترافاً بيّناً بأن سقف الطموح انخفض إلى حدّ إدارة الكارثة بدل إنهائها، ورميّ الملف بين يديّ الأمم المتحدة… المؤسسة التي لم تنجح يوماً في إنهاء حرب.
تعبٌ يتسلل من بين الكلمات. جهدٌ استمر أشهراً في محاولة دفع الأطراف نحو توقفٍ يتيح للمدنيين التقاط أنفاسهم، ثم ينتهي إلى قناعة بأن الحرب استعصت على الكبح. البيت الأبيض يبتعد خطوة، يترك مساحة أوسع للأمم المتحدة كي تتصدر المشهد. الملف يُعاد إلى طاولة جماعية بعدما تعذر حمله منفرداً.
في الخلفية، صورة رئيس أميركي يفاخر بقدرته على إخماد نزاعات متعددة خلال فترة وجيزة، يسرد حروباً أُقفلت أو خُففت حدتها، بينما يظل السودان خارج هذا المُجمل خارج جدول الإنجازات المعلنة. رواية تقول إن التعرف إلى هذه الحرب جاء متأخراً، ثم أعقبته وعود بالتحرك، قبل أن تبتلعها أولويات أخرى أشد إلحاحاً، تُعلّق ترامب نفسه من عرقوبه وتشدّه إلى ملفات «صاحب جزيرة الشيطان» الملتهبة.
السودان يقترب من عامه الثالث تحت نار مفتوحة، والوقائع الميدانية تتبدل دون أن يتبدل جوهر المأساة. مدن تتآكل، قرى تُفرغ من سكانها، وملايين ينجرفون نحو هوامش الحياة بحثاً عن مأوى أو رغيف أو أمان مؤقت. المنظمات الدولية حضرت مبكراً، عقدت جولات من الوساطة، جمعت الخصوم حول طاولات صمّاء، ثم تفرّق الجمع كل مرة تاركاً خلفه بيانات بلا أنفاس.
تراكم الفشل يصنع مناخاً خانقاً. الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، جوارٌ إقليمي، عواصم عربية، قوى كبرى، جميعها دارت في الحلقة نفسها. محاولات تتكاثر، نتائج تتبخر، والحرب تواصل سيرها كأنها وجدت إيقاعها الخاص الذي لا يلتفت إلى أي إيقاع عداها.
الداخل السوداني يرزح تحت ثقل سياسي واقتصادي يضغط على فكرة الدولة نفسها. سلطة في بورتسودان تبحث عن سند بعد انحسار دعمٍ كان متاحاً، تتجه نحو طهران طلباً للعون العسكري، فيما تتبدل مواقف قوى إقليمية كانت أقرب إلى مساندتها. صفقات تسليح مع باكستان جُمّدت، قنوات دعم سعودي ومصري أُغلقت، وميزان القوى يتحرك في اتجاهات تزيد المشهد تعقيداً.
المخرج يلوح في نصوص سبق أن وُضعت على الطاولة، اتفاق إطاري يتحدث عن تنقية القوات المسلحة من شوائب الكيزان ودمج المليشيات بعد الغربلة، ولافتات أخرى شاهقة، حول إعادة تعريف السلطة وإقامة نظام عدلي صارم يحاسب المجرمين والفاسدين، أكانوا في الدعم السريع والجيش والحركات، أو كانوا في الحركة الإسلامية وكتائب ظلها، واقتناع حتمي ببناء دولة مدنية عادلة وحقيقية تسع الجميع.
الكلمات مُدوّنة، حاضرة وموجودة، لكن الطريق إليها مليء بالعنجهية وعوائق السياسة والسلاح والحسابات الضيقة، التي جعلت السودان يقف عند حافة طويلة، يرى إمكانية العبور ويتحاشى الخطوة الأولى.
برلين تستعد لاستقبال هذا الثقل كله. قاعة واحدة لن تغيّر مسار حربٍ تغذّت على الاستمرار، لكنها قد تفتح نافذة في جدارٍ سميك، أو تضيف طبقة أخرى إلى خيبةٍ تتراكم.
الزمن يمضي، والبلد يبتعد أكثر عن صورته التي يعرفها أبناؤه، بينما العالم يراقب، يشارك أحياناً، وينسحب كلّ مرة، تاركاً السودانيين لمواجهة أسئلتهم الكبرى وحدهم.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم