(1)
لبّى الدكتور تاج السر محجوب سفير السودان في نيجيريا نداء ربه فجر يوم الجمعة 24 اكتوبر 2014م عن عُمر بلغ السبعين عاماً أفناه، دونما كلل، في مختلف ضروب العمل العام.
التقيتُ به لأول مرة في فبراير من العام الماضي عندما وصلت الى أبوجا للعمل بسفارة السودان منقولاً من رئاسة وزارة الخارجية، وكان هو السفير هناك كما هو معلوم. والانطباع الذي خلّفه لقائي الأول به هو أنه شخص ودود، أنيس، وذو خبرة واسعة.
(2)
كان الحرص على العمل وإنجازه بكفاءة إحدى السمات المميزة له، فقد اعتاد على عقد إجتماع يومي صباحي بمكتبه في السفارة لا يضم الدبلوماسيين ورؤساء الأقسام الفنية فحسب بل يشمل حتى الكوادر الإدارية والكتابية المساعدة، وذلك في إطار جهوده الحميمة للإرتقاء بالعلاقات الثنائية بين السودان ونيجيريا في نواحيها السياسية، الإقتصادية، والثقافية، وقد كانت هذه الإجتماعات تعطي الجميع حيوية لتحسين وترقية أعمالهم، وكان يبذل الجهد ليتأكد من أن الكل يعمل بإنسجام ووفقاً للخطة الموضوعة التي لم يك يسمح بالحيدة عنها فقد كان يوزعها على الدبلوماسيين مكتوبة بخطه الأنيق. وقد بثّ فينا جميعاً بعضاً من روحه التواقة للعمل المتقن والدؤوب.
(3)
لحرصه الجاد على إحداث اختراق حقيقي في العلاقات السودانية- النيجيرية لم تقتصر اتصالاته على المسئولين والرسميين، كما يفعل غالب سفراء الدول، بل امتدت لتشمل الزعماء التقلييدين ورجال الإدارة الأهلية هناك، وهم يشكّلون مكوّناً هاماً في الحياة الاجتماعية والسياسية النيجيرية، فتمكّن خلال فترة عمله من مقابلة معظمهم، وكان كثيراً ما يثير إعجاب هؤلاء الزعماء عندما يحدثهم بلغة الهوسا التي كان يحسنها. كما امتد تواصله مع الجامعات ومراكز البحوث وغيرها من المواقع الهامة في إطار خطته للانفتاح على المجتمع النيجيري الكبير النابض بالتفاعلات السياسية والاجتماعية.
(4)
في مايو من هذا العام تمّ نقلي من أبوجا للعمل بسفارة السودان في نيروبي، فأقام لي الراحل المقيم حفل وداع ضم أفراد الجالية السودانية إلى جانب العاملين بالسفارة، وألقى كلمة أثنى فيها على عملي بجانبه وأخذ يعدد مختلف الأشياء التي قمت بها، وفي اللحظات الأخيرة لمغادرتي لأبوجا شعرت بالحزن لإفتقادي العمل معه والتعلم من تجاربه الوافرة في العمل العام والتي قاربت نصف قرن من الزمان بدأها معلماً للغة الإنكليزية بحنتوب وخورطقت في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، وما أدراك ما حنتوب وطقّت وقتها، ثم أستاذاً للأدب الإنكليزي بالجامعة الوطنية الصومالية، ومسئولاً رفيعاً بالخطوط الجوية السعودية، ثم مديراً لسودانير في نهاية الثمانينيات، فوزيراً ولائياً وإتحادياً ومديراً لعدد من المؤسسات الوطنية الهامة مثل صندوق دعم الولايات والمجلس القومي للتخطيط الإستراتيجي، وعضواً قيادياً في الوفد الحكومي لمفوضات السلام بنيفاشا، حتى توفي وهو على رأس عمله سفيراً للسودان بإحدى أهم دول القارة الأفريقية. من المؤكد أن رحيله يشكّل فقداً كبيراً للسودان مثلما شكل فقداً للسودانيين بنيجيريا الذين أحبوه لالتزامه الكبير بحل مشاكلهم وسلوكه الودي تجاههم ومشاركته لهم في مشاعرهم.
(5)
من المهم الإشارة، ختاماً، إلى أن الراحل كان قد أطلعني في منتصف العام الماضي على مسودة مكتملة لكتاب يحوي مذكراته وتجاربه العامة، وبحسب ما علمت فإن عملية إصداره قد قطعت شوطاً كبيراً. في هذا التوثيق بعض عزاء في أن خبراته وتجاربه الثرة قد تم التوثيق لها، وأن الكتاب سيكون الإمتداد الفكري له في الدنيا بعد غياب الجسد.
****
دبلوماسي بسفارة السودان في نيروبي
ammar.mahmoud@outlook.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم