جبير بولاد
( الخلود ليس بقاء الجسد ، بل هو ما نتركه فى وعى الآخرين)
سيمون دي بوفوار
.. بأجنحة رقيقة و شفافة تخللتها تجربة مواجهة آلام المرض رحل عن دنيانا المُفكر الصَديق و الأنَسان دكتور حيدر ابراهيم على .. ظل حيدر فى السنوات الآخيرة بسبب المرض يرحل عنا ببطء، و لكننا كنا رابطي الجأش بسبب من البسالة التى كان يبديها و هو طريح الفراش و ملتزم المنزل تارة و أخري فى المستشفى ، كان حيدر مدرك تماما لميقات الرحيل و لكنه كان مشغول العقل و منفعل الروح و متناسيا آلام الجسد ، كنت كلما التقيته فى بيته او تحادثنا على البعد أبتدره مسالما بلقب (الطاو الأكبر) و كان يبتسم و يرد :” مش كدا” ! .. كلما تسأل حيدر عن الصحة بعد أن يعطيك تلخيص سريع يهرع فورا لمناقشة آخر فكرة جمعتكما أو يباغتك بفكرة جديدة و مشروع كبير بدرجة تذهلك و يجعلك تتسأل : هل تبقي فى العمر مساحة لتلك الافكار و المشاريع العظيمة ! و لكن لأن روح (الطاو الأكبر) تندغم فى الكون و الوجود كان حيدر دوما كمولود جديد يفتح الزمن على مصارعيه لمزيدا من الفكر و العطاء المعرفي و دروب الأستنارة و لأنه عاش كطاو أكبر بالرغم من معرفة الناس به كعلماني أصيل مخلص لتحرر العقل و قيم الحرية .
.. الطاوية مدرسة روحانية عتيدة ، مؤسسها هو الفيلسوف (لاتسو تى تشينغ) و هو معاصر ل(كونفوشيوس) و لكنه كان أكبر سنا منه ، تحكي لنا مرويات التاريخ أن (كونفوشيوس) زاره و طلب منه الحكمة و كان معجب به الى درجة تسميته ب(التنين) الذي لا يمكن التنبوء بمساره ، أي مسار فكره و صديقنا المفكر حيدر كان تماما كالتنين لأنك مهما عرفته لا تعرف لمسارات تفكيره و ابتكاراته اتجاه ، فهو دوما يدهشك بتحويل الأفكار المستحيلة الى واقع يمشي بين الناس ، لذلك قبل ثلاثون عاما عندما قرر تأسيس مركز الدراسات السودانية و رغم التحديات و الحوجة و الفاقة فى تلك السنوات ألا انه بأصراره المعهود جعل المركز حقيقة معاشة و قيمة عاشت طويلا ، ثم أن حيدر و بعد أن أسس المركز توحد معه روحيا لذلك المركز اصبح رغم فترات التحديات الجسام السياسية و المادية و الجغرافية الا انه ظل مثل طائر الفينيق يقوم كل مرة من رماد تجربته بجسد جديد، مقدام و معطأ و مدهش .
.. الطاوية ليست كالتصوف و أن كانت تجمعهما روحانية شفيفة ابرزها سمة الزهد، لم تعتمد الطاوية سُلمّية المقامات كالتصوف و لكنها تعتمد الأنسجام الكامل مع الوجود و طبيعته فى فكرة التخلى عن مركزية الأنا الى وعى أوسع ، لذلك دكتور حيدر كان ضد فكرة التملك الشخصي للأشياء (المنزل ، السيارة، …الخ) و كان ينافح عن هذه الفكرة بطرق ذكية و مفحمة أن ناقشته و لذلك حتى رحيله لم يمتلك لا بيت و لا سيارة ، لأنه صادق مع فكرة تمثلها و ذاب فيها كما يذوب الروحاني فى مشهده ، لذلك كنت على الصعيد الشخصى لا اعتبر دكتور حيدر علمانيا خالصا كما ينظر أليه معظم الناس ، و من يعش قريبا منه يكتشف أن لحيدر روحانية خاصة متسشفة من فهمه العميق لماهية الأنسان و رسالته و علاقته الروح الكوني و الوجود ، لذلك عندما يقول أن للدين معني فى حياة الناس فهذه العبارة يجب الوقوف عندها و فهمه فهما عميقا لأنها تصدر من مفكر يقصد العبارات تماما حين يطلقها .
.. قبل نحو ثلاثون عاما عرفت دكتور حيدر مصادفة حينما انبثقت فكرة مركز الدراسات السودانية و وصلت أولي اصداراتها المحتشدة العناوين و الموضوعات و شعاره المُلفت (محاربة البياض و المشافهة ) ، كنت حينها فى بيروت صبيا، اتغشي مكتباتها و انسامها المتوسطية مع رفقة لطيفة ..عرفت فيما بعد أن المركز واجه صعوبات البدايات و لكن تحت ألحاح و اصرار دكتور حيدر و قلة قليلة حوله ،جعل من المستحيل ممكنا و تلغفنا فى بيروت وقتها باكورة الاصدارات و كانت راسخة العناوين و الموضوعات مقارنة مع مشروع كان فى بداياته و مراحل تأسيسه الأولى .. كانت هنالك سيدة لبنانية صديقة لدكتور حيدر لديها مكتبة على طريق الجامعة الامريكية ببيروت و كانت فى غاية اللطف و الثقافة و وجدنا عندها اصدارات المركز الأولي ، من هول المفأجاة و الفقر الذي كانت تعانيه المكتبة السودانية فى ذلك الوقت (بعد منتصف التسعينيات) ، عدنا فى اليوم التالى و قمنا بصرف كل ما نملك لشراء كل الأصدارات التى أمامنا خوفا من نفادها ، ثم عكفنا عليها قراءة و مناقشات ، بعدها تواصلت مع دكتور حيدر كتابة و حينها كانت الوسيلة للتواصل الخطابات الورقية و البريد ، شافعا رسالتي بنص لصديق فى السودان لنشره ضمن اعداد مجلة الدراسات السودانية ، لم يرد على رسالتى كتابة و لكنه رد عليها عمليا بنشر النص فى اقرب عدد من مجلة دراسات سودانية ( كيمياء الصلصال) ، و هو ما أدهشنى لحجم الجدية التى كان يتعامل بها حيدر و ما زال عليها طوال معرفتنا به ، تقابلت و دكتور حيدر بعدها بسنوات فى قاهرة المعز لنجتر هذه الذكريات و حكى لى عن السيدة اللبانية معرفا بها أكثر و ذكرت له من أنها أحيانا كانت تعطينا كتبا مؤجلة الدفع الى حين ميسرة، و حكى لى دكتور حيدر بقية القصة فى قيام المركز و المعاناة التى صاحبت قيامه .
.. .. لعلى هنا لست بصدد الكتابة عن دكتور حيدر كمفكر فقط صاحب مشروع فكري كبير متعدد الزاويا و الأهدف فذلك أمر عسير على كتابة واحدة او مقال و لكننى وددت من خلال هذه الحروف هو الأطلالة و تسليط الضوءعلى أهمية ما عمله المفكر حيدر بيننا و كان مشغولا به حتى الرحيل كما وددت أيضا ابراز صورة حيدر الأنسان الذى عايشتها عن قرب و نشأت بيننا صداقة تجاوزت مسألة السن و الجيل و تلك ملكة فريدة ان تجدها فى جيل حيدر.. فحيدر صديق و أنسان رائع و كذا رب أسرة ديمقراطي و زوج لطيف و رفيق درب لزوجة ظلت شريكة لمشواره الطويل المنتج (حياة) و أبن ظل هو العصاة التى تتوكأ عليها الأسرة بعد تحمله الراية بأقتدار (مظفر) و أبنة نالت من أبيها حظا أوفر فى الأهتمامات و الروحانية المتفردة و المختلفة و الهمة فى المشاريع مجرد الأيمان بها (أنديرا) فلهم منا خالص التعازي و أصدق المواساة و نسأل الله ان يعينهم على تحمل هذا الفقد الكبير .
.. كثيرا من الذين عرفوا حيدر وضعوه فى خانة العلمانية النمطية و هنا فى هذه المساحة أودَ أن أضي شيئا من علمانية حيدر و تخليصها من العلمانية الشكلانية التى سادت وسط مثقفيننا و طبعت خطابنا السياسيى بشكل مؤثر مؤخرا ، حيدر كدارس متعمق فى التاريخ و عالم أجتماع واسع التأمل يعرف تماما أن الدين هو طاقة روحية و أجتماعية هائلة و مؤثرة بالذات فى حياة مجتمعاتنا المعنية بالتغيير و الأستنارة ، لذلك يجب ان يكون الموقف من الدين اولا موقفا معتبرا لا يهمل تأثيره و لذلك عندما يقول :” أن للدين معناً فى حياة الناس” فهو لم يطلق هذه العبارة و ذهب ليأخذ قيلولته ، بل أتبعها بجهد مُضنى من البحث و الدراسة و التأمل فى ظاهرة و تواريخ الأديان ، لذلك عندما كتب كتاباته الأولى و المؤسسة حول الأسلام السياسي و أتخذ من تجربته فى السودان نموذجا ، لم يكون هذا مجرد موقف سياسي عابر ، بل كان موقف فكرى مؤسس أعقبه بكتب و مقالات و ندوات ظلت على الدوام محل أهتمام لأنها تطرح معرفة فى أماكن مجهولة لكثير من المثقفين ناهيك عن عامة الناس و نبؤته بفشل مشروع الأسلام السياسي المسماه بالمشروع الحضارى كانت ليست نبوءة فقط و لكنها قراءة مستندة على معرفة عميقة بالتراث و التاريخ و لكل ذلك المجهود الضخم صبغت على دكتور حيدر صفة العلمانية الشكلانية (اي مقابل التدين) كما هو سائد من مفهوم فى مجتمعاتنا ، لكن حيدر يفصل تماما بين الدين و التدين أولا ثم ثانيا ينطلق الى أفق أوسع حول الدين نفسه كطاقة تسمو بالأنسان نحو قيم الحق و الخير و الجمال ، لذلك ظل هذا الموضوع من مواضيعه الأم فى الكتابة و الندوات و لا عجب أن كان من أواخر كتبه كتاب ( الأسلام السودانى – دراسة فى انثروبولوجيا الدين الشعبى فى السودان ) و هذه تفصيلة فقط أردت الأشارة اليها و لكنها تحتاج الى كتابات آخرى مطولة و بكثير من التفصيل و كيف عاش حيدر قيمٌ عالية بواسطة هذا الفهم العميق و المبكر لطاقة الروح و تنميتها عند الفرد و هذا ما جعلنى أطلق عليه لقب الطاو الأكبر و كان يسعده اللقب لأنه يفهم تماما فى الروحانية الشرقية القديمة .
.. حيدر لم يعش حياة المفكر و المثقف المتعالى الذى ينظر و ينّظر للمشاريع من برج شاهق ، بل كان منغمس فى حياة شعبه و مبادر بمشاريع لم تسعفه المقدرات المادية فى توسيعها او الديمومة فيها مثل مكتبات المدراس و توفير وجبة الأفطار للتلاميذ و كان فى كثيرا من أحاديثنا الخاصة يحلم بمكتبة كبيرة واسعة فى السودان تكون محج لطلاب المعرفة و الباحثين بخدمات زهيدة السعر فقط لضمان أستمراريتها ، و ظن أن بعد الثورة السودانية (ديسمبر 2018) أن ذلك ممكنا و لكن جرت رياح الظلاميين بما لا تشتهي أحلام السودانيين . ظل حيدر يبادر و يجترح المشاريع حتى أثناء مرضه و كنا أحيانا نحادثه و هو يئن من الألم و لكنه لم يتنازل ابدا عن مناقشة فكرة او مشروع و ما زال يحادثنا مؤخرا عن مشروع موسوعة سودانية واسعة لتوثيق و رصد المفكرين و الكتاب السودانيين لأن الحرب تدمر ذواكر الشعوب و كان يطرح فكرته هذه و هو يتوجع من المرض و بقربه الصديق الوفي الأستاذ (بكري جابر) و هذه لمحة صغيرة من لمحات يصعب رصدها فى مسيرة وافرة و معطاة من رفقة و معرفة لمفكر بقامة دكتور حيدر .
.. لمزيدا من معرفة حيدر المُبادر فى الملمات الوطنية و فزعاتها ففى عشية أندلاع حرب 15 ابريل 2023 و الناس مذهولة بصدمة الحرب أول من تنادى من خلفية المفكر و المثقف المسؤول و الوطنى الغيور ، تواصل معنا دكتور حيدر و طرح فكرة تجميع السودانيين على قوى مدنية مناهضة للحرب ، لأن الحرب فى ظنه أذا تمددت فقد تعيد الناس الى اصطفافات و مكونات قبلية و تلك رؤية لا يراها الى الأنسان العليم بتاريخ المجتمعات و حركة التاريخ ، و كانت أجتماعات أسفيرية نظمناها (بكرى جابرو شخصى) ، الأجتماعات جمعت لفيف من الشخصيات الاكاديمية و الثقافية و الاعلامية السودانية (نساء و رجال ) و تمخضت عنها ولادة أول كتلة مدنية تواصلت مع كتل آخرى لتتولد عنها فكرة قيام كيان (تقدم) و عندما دبت الخلافات داخل الكيان و حوى أشخاص كثر اللغط حولهم و أغراضهم كانت لحيدر حكمة عجيبة و تدل على أن الرجل خبر الدهر جيدا و فى أحدى اتصالتى به قال لى جملة ستظل محفورة فى ذاكرتى و يا ليت معظم الذين ولغوا فى الأصطفافات سمعوها و تأملوا فيها ، قال حيدر:” نحنا ما بنكون معاهم فى أخطاءهم و لكن لن ندعهم وحدهم .. نشاكلهم و نحنا بينهم و وسطهم لأن الأبقاء على اى كتلة مدنية هو الأمل الذى نبنى عليه مسيرة التغيير فى السودان ) و أتبع هذا الموقف بالنصح و الأرشاد لقادة القوى المدنية فى كل منعرج و لذلك ظل حيدر فى القاهرة محج للفاعلين و السياسيين و المثقفين يشاورهم و يسديهم النصح و يكتب المذكرات و يرسلها و يمتص الأخفاقات فى قدرة عجيبة ، و هذا موقف للتاريخ قد لا يلحظه كثيرا او يذكره الحاضرين .
.. أيضا حيدر يدهشك بعلاقاته خارج الحدود بالمفكرين و المثقفين العرب و تجاربهم و تأثيراتهم حتى التى تغيب على مواطنيهم ، و لكم أستمتعت جدا لحضوره وسط النخب العربية و المصرية تحديدا و هو يحدثهم عن مفكر او مثقف كبير لديهم و أثره أمثال سلامة موسي و لويس عوض و محمود أمين العالم و أدونيس و خليل حاوي ، و لحيدر حياة زاخرة و غنية عمّرها التسفار الكثير و المشاركات الواسعة فى حقول الأدب و الفكر و التطواف بالمدن و عندما عهد ألى دكتور حيدر بمراجعة سيرته الذاتية قبل نشرها (أزمنة الريح و القلق و الحرية ) كنت أراجع الكلمات المكتوبة و صوت حيدر فى أذني لكثرة ما سمعت من فصول كثيرة وردت فى السيرة الذاتية مكتوبة و لكننى سمعتها منه مباشرة ذات قيلولة او جلوس لساعات طويلة ، فهو نعم الرفيق و الحكاى عندما يبتسم الزمان لك بفرص لقائه .
.. يظل ما قدمه دكتور حيدر للسودانيين و الوطن إرث و مدرسة فى التعاطى مع الشان العام و قضايا الأستنارة و أتبع حرفه و صوته بأفعال ستظل خالدة و أثرها باقٍ ما بقي السودان و الكتابة عن حيدر فى جوانبه المختلفة و احواله تحتاج مساحات أوسع لو حنّ الزمان و تلطفت الظروف و هيهات .
.. ألا رحم الله المفكر الصديق و الأنسان حيدر ابراهيم رحمة واسعة و تقبله الله قبولا حسنا و أكرم وفادته أليه فى عالم أوسع و أرحب خالى من نقصان الجسد و مفتوح البرحات لهذه الروح المشعة ،روح الطاو الأكبر .
29/9/2026
