وداعاً…نصفي الآخر (3) .. بقلم: د. زهير عامر محمد/ المملكة المتحدة

الحاج بلال أكول حاضر دومًا لصلاة الفجر بالمسجد العتيق.تنتهي صلاة الجماعة،ويحشر قدميه في مركوبه القديم البالي حشراً،أطراف قدميه تدمي من آثار البرد الجاف القارس،يشعر بطقطقه أسنانه وتيبس أصابعه. يحاول ان يسرع الخطي إلى بيته،يسير في طرقات وأزقة القرية الضيقة والملتوية،الكلاب تكومت وتكورت علي جدران المنازل المهجورة،الحمائم تصدر هذا اللحن الشجي الدافئ،لكن مازالت هذه الدروب وعره ومظلمة وكم تعثر بها عند عودته في المساء، لكنه الآن خبرها وعرفها جيدا.
يسرح الخيال بالحاج اكول الي زمان ماضي بعيد،ولا يذكر عندما حط عصا الترحال هنا في قريتي ،علي جوار أشجار الصفصاف المخضرة المرتوية من ثدي النيل. لا يدري ماهذا السر الكامن للنهر في حياته، فلقد ولد ونشأ وقضي حياته المبكرة كلها في أويل.                                                                                      كان لبحر العرب مكنون مدفون في دواخله، عاش جل طفولته علي ضفاف النهر، وعندما كان صبياً يافعا كان يقضي الأيام و الشهور مع أهله وأترابه، يتجه شمالاً وتارة جنوباً مع قطيع الأبقار،التي كانت تتجه اينما تشاء، أينما حل لها العشب والمرعي بقيت، قاتل الله الحرب المريرة قذفت به بعيداً، بعيدا جدا،ولمئات الأميال و الاف الأقدام، ليرسي قارب حياته،بعد رحلة أبحار طويل،علي ضفاف النيل لتبتسم له الحياه من جديد، تبتسم له الحياة من جديد من بعدما أدارت له ظهرها القاسي المظلم والمؤلم عقودا من الزمان،ويلتقي ميري -فاتنة ياي الإستوائية- لتعطي لحياته معنا جديدا لغد مشرق، غد بلا حرب بلا فقر و بلا قهر.
قصة ميري لاتختلف عن قصته مع الحياة كثيراً، قد تختلف الأمكنة،قد تختلف الأزمنة، لكنها شاركته آلام الحرب وأوجاعها.عاشت طفولة قاست فيها مرارة اليتم وفقدان الاب.الحرب اخذت كل حبيب وقريب،الحرب أحرقت كل زهرة أمل في دواخلها،أطفأت كل شمعة أمل في روحها، تركت نفق حياتها مظلماً دون ضوء في نهاية الطريق، ابقت علي كثير من الرماد الداكن في دواخل قلبها، واعماق فوادها البرئ. بنت يآي الدافئة، طويلة القوام كغابات الأبنوس.مثل أشجار البن في تلال يآي الساحرة، لونا ورائحة،مذاقا ونكهة.كثيرة الابتسام رغم كثرة الآلاام والأوجاع، تظهر أسنانا ناصعة البياض والبريق، كأنها قطع عاج تليد ونفيس.                                         
لولا هذه الحرب اللعينة لما ترك أويل وبحر العرب، لولاها لكانت ميري تعيش طفولتها ككل طفلة برئية، تكبر علي اطراف نهر ياي في الاستوائية، تري سيقان قصب السكر تمتد في الحقول، كانت ستعدو وتختبئ بين  أعواد القصب، ويصعب علي أترابها ان يجدوها، كانت ستخرج من بين أعواد القصب وقد التصقت بها صفقاته الصغيرة علي يديها لتشعرها بمذاق السكر في أطراف أصابعها،وعلي شفتيها المنتفخه كحبات الزيتون. سرح الخيال بالحاج ااكول بعيدا وهو يتجه الي منزله علي ضفاف النيل، بدأت الطيور والعصافير تخرج من أعشاشها ومخابئها، بدأت تعزف لحن الصباح وتنشد تغريدة الحياه للقرية الوادعه.بعض الكلاب المشردة أصبح يدب فيها الدف، بدأت تخرج من الزوايا المظلمة والجحور الضيقة من تلك البيوت الخربة والمنازل المهجورة. أصوات العصافير والحمائم والقماير يملأ فضاء بلدتي الحنينة، في أصوات متناغمة متجانسة ، تعكس إصرارها علي الحياه والبقاء في هذا المكان الفريد، فريد بأهله وفريد بمن عاش فيه،ﻷن كل منهما له قصة وحكاية، تستحق أن تروي للناس..ونواصل.  

*قصة قصيرة من خيال الكاتب، الأسماء والشخصيات والأمكنة غير واقعية، اذا حدث اي تطابق فتلك محض صدفة.
zuheiramir@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً