الحاج أحمد يقف عند هذا الصباح الباكر متأملاً مدخل داره العتيقة.يقف تحت هذه البوابة الأثرية الضخمة.هي تحفة فنية،لوحة جمال معمارية.فيها عبق وعطر من تاريخ قديم متجدد، ورثه عن آبائه وأجداده.البوابه الأثرية كلها بنيت من طين الأرض،هذه البلدة و طينها كذلك إرتوي من النيل، ونيلها حاضرها ومستقبلها.البوابة مصنوعة من خشب السنط الذي يزين خاصرة البلدة بلون أخضر زاهي جميل، مختلط بلون داكن يعكس لون إنسانها الأصيل.أشجار السنط قطعت بطريقة تنم عن دراية و فطنة، وجمعت وشكلت مع بعضها البعض، وبصبر وتأني،قطعة قطعة، لتعطي شكل هذه البوابه الخشبية الضخمة. كل شئ صنع من الخشب، حتي المفتاح صنع بطريقة يدوية رائعة، أجمل مافيه ذلك الصوت المتناغم، الشجي ذو اﻷنين، عندما يحاول الحاج أحمد فتحه وإغلاقه عند الفجر، ليخرج هذه الصوت المميز معلنا ذهابه ومجئه من صلاة الجماعة.
ويدخل الحاج أحمد إلي فناء داره الواسعة، متسع لأهل بيته، لأسرته الكبيرة، التي هو كبيرها وعميدها، كثير الترحاب لأهل بلدتي، مقصد لليتامى والأرامل والثكلى، ينفق بسخاء ولا يخشى الفقر، يعطي ولا ينتظر المقابل حتي ولو كانت كلمة ثناء رقيقة.ورث هذه الدار-كما ورث كل خصال الشهامة والكرامة والشجاعة والنخوة-ورثها عن والده،سيدي إبراهيم عبد الكريم، رجل في قامة بلدتي، رجل مازالت تذكره الجروف والمزارع والسواقي.مازالت ذكرته العطره تحكي وتعاد للأجيال.يلقي الحاج أحمد نظره علي جدران المنزل وقد طليت باللون الأبيض،أبيض مثل هذا الصباح الباكر، أطراف الجدران زينت ولونت بأصفر يميل إلى لون الذهب النفيس، ليعكس هذا الرباط الأزلي لصحراء تجمل عنق هذه البلده العذراء الساحرة.
عند كل حدث يفرح أهلي البسطاء، يجدد هذا الطلاء، يعكس فرحة وبهجة متجددة.بعد إنقضاء شهر رمضان وحلول عيد الفطر، وعند توجه الحجيج لأرض الحبيب المصطفي، ومن ثم عيد الأضحى وعودتهم سالمين، تجدد هذه الجدران حلتها وتكتسي مجددا بالأبيض وتضع أجمل العقود والأساور، معلنة صراحة عودة الأحبة واﻷحباب. هذه بلدتي وهؤلاء هم اهلي الأكارم الأماجد.
يدخل الحاج أحمد إلى غرفة صغيرة مجاورة لمطبخ الحاجة آمنة، إعتاد أن يتناول فيها أكواب الشاي الدافئ مع خبز تصنعه الحاجة آمنة مع نساء الحي بين فنية وأخري.يحي أسرتة الصغيرة ويقرئهم السلام، كريم إبن كرام.نور حياته تستقبله قبل أمها بنظرة الحب الفطري، تنهض وتاخذ عنه هذا الثوب الأبيض من علي أكتافه، وتضع المصباح القديم، المحبب إلى والدها في ركن آمن من الغرفة.الحاجة آمنة فرغت لتوها من إعداد شاي الصباح، أعدته من حليب أبقاره التي ترعي وتشبع من جروف النيل، يجلبه عبد السميع- أحد معاوني الحاج أحمد النبلاء-عند المساء، ومن ثم يوضع في مكان بارد وبعيد عن أعين قطتهم العجوز، التي أصبحت أحدي قاطني هذا الدار.
يحتسي الحاج أحمد أكواب الشاي الدافئ،ومن بعدها يتناول فنجانا من القهوه،ومن ثم يخلي قيد حماره اﻷبيض الضخم، يضع عليه ذاك السرج الخشبي المزين والمجمل بالجلد،ويسمي الله ويتجه الي صوب الضفاف، صوب جروف النيل، حيث يقبع ذاك الوابور الزراعي القديم المتهالك, يقبع هناك لدهور مضت، وأظنه سيبقي، بإصرارهم وعزيمتهم،لسنين وأعوام قادمة…ونواصل.
*قصة قصيرة من خيال الكاتب، الأسماء والشخصيات واﻷمكنة غير واقعية، اذا حدث اي تطابق فتلك محض صدفة.
zuheiramir@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم