ياسر عرمان
فى سنوات الصبا الباكر ومطلع الثمانينيات وعبر إصدقاءه وأصدقائى العظام، سيف وصلاح سمعريت ( أولاد العمدة) ، تعرفت على وسيلة محمد أحمد وكنت زائرا دائما لهم عندما يأخذ الظلام طريقه نحو المساء، فى بيت (الديم ) الذى كان قبلة لكبار قادة العمل السرى والذين لا يعرف أحد أسمائهم الحقيقة وقد توارت منذ زمن بعيد كأحدى متطلبات العمل السرى وفنونه، كان البيت مزارا من المزارات لعثمان جزيرة، والسنجك، وعمر آدم، وعم بشير ، وأبوالرجال، وسودانى وغيرهم من المخلصين الأوفياء الذين أفنوا حياتهم فى خدمة الناس وكان أهل الدار أهل للثقة لا تتسرب الأسرار من بين أيديهم.
أما فى يوم الإثنين الماضى 13 يوليو 2026 الجارى وبمدينة القاهرة تلقيت رسالة قصيرة من هاتف وسيلة محمد أحمد نفسه تعلن عن رحيله، أصابنى الحزن والحيرة وحاولت الإتصال وبعثت عدة رسائل، وفى المساء تحدثت مع إبنه منصور الذى أكد لى رحيله، ولقد رحل صديقا عزيزا وفارس مقدام ومناضل صنديد كان له فى خدمة الشعب والوطن وبناء الحركة الديمقراطية سهم وبصمة وقدح معلى، لقد رحل القائد النقابى والمحترف الثورى فى إحدى مراحل حياته وسيلة محمد أحمد، الذى ساهم بقدر وافر فى التصدى للإستبداد وبناء المنظمات الجماهيرية وتفرغ ردحا من الوقت لأجهزة الحزب الشيوعي وأصيب فى سنواته الأخيرة بمرض السرطان اللعين وأنزوى عن الناس والفضاء العام وظل متفاعلا مع الأحداث يكتب بخبرة سديدة وهو الملم بتفاصيل العمل السياسي والتنظيمي والمنظمات الجماهيرية.
قبيل حرب أبريل بوقت وجيز هاتفنى الراحل العزيز وأخى وصديقي سيف سمعريت وطلب منى الحضور الى منزله لنذهب معا لمطار الخرطوم لوداع وسيلة فى رحلته الأخيرة للإستشفاء فى القاهرة وقبلها كنا إتفقنا على زيارته فى الريف الشمالى عند أهلنا السروراب للاطمئنان على صحته، وعوضا عن ذلك إلتقيناه مودعين له فى مطار الخرطوم ، قد سعدت بأننى كنت فى وداعه بالرغم من مشاغل الحياة التى تحرمننا كثيرا بعض صلاتنا العظيمة. لقد كان سيف سمعريت مخلصا فى علاقته وإهتمامه بوسيلة محمد أحمد وكان له نعم الأخ ونعم الرفيق فى زمان صعب تكسرت عند حيطانه كثير من الصلات وهاهم سيف ووسيلة يلتقون من جديد عند مليك رحيم ويواصلون ما إنقطع من حديث لا ينتهي وطوبى للمخلصين الأوفياء.
فى آخر رحلة للقاهرة اتصلت بوسيلة وذهبت لزيارته فى منزله عند حارة تضج بالباعة والمهمشين والجالسين على الرصيف، بعد الاطمئنان على صحته تحاورنا طويلا عن تجاربه وعن علاقاته مع الكبار من بناة الحركة الديمقراطية وعن وحدة القوى المناهضة للحرب وكان وسيلة دائما الإهتمام بتجربتنا فى الحركة الشعبية لتحرير السودان وتواصلت صلتنا عبر الهاتف وطلبت منه مرارا ان يكتب تجربته الثرة والمفيدة وهذه الصوره الفوتوغرافية التى تجمعنا كانت عند آخر لقاء لنا بمنزله بالقاهرة فى 2024.
رحل وسيلة محمد أحمد بعد حياة حافلة بالعطاء والإنتماء الى قضايا العدل والناس والفقراء وكان وطنيا صميما وكانت هذه البلاد تخصه وأحبها حتى الرمق الأخير. العزاء لإسرته ولإبنه منصور ولإهله ولإصدقاءه وعارفى قدره وفضله وندعوا له بالرحمة والمغفرة وإنا لله وإنا إليه راجعون .
15 يوليو 2026
