في بلادٍ يعشق طائرها، الذي يطلق عليه «ود أبرق»، أن يظل في شأنه كل حين، حتى صار القلق جزءا من طباعه، تبدو مراقبته أكثر إثارة للتأمل من مجرد معرفة سلوكه؛ فهو لا يكاد يفرغ من شأن حتى يعود إليه، ولا يبدو أن كثرة الانشغال قد منحته شيئا من السكينة. ولعل في هذا الطائر، الذي عرفته الذاكرة الشعبية السودانية أكثر مما عرفته كتب علم الطيور، ما يفتح بابا صغيرا إلى معنى أكبر من حياته القصيرة، معنى يتصل بالبشر حين تتحول الحركة عندهم إلى غاية، ويصبح الانشغال نفسه وسيلة لتأجيل التفكير.
السياسة السودانية، في جانب كبير منها، تبدو كأنها تعيش منذ سنوات في هذه الحالة من القلق المتصل. لقاءات لا تنتهي، ومبادرات تظهر ثم تختفي، واجتماعات تفضي إلى اجتماعات أخرى، وبيانات ترد على بيانات، وتحالفات تتشكل ثم يعاد تشكيلها، وأسماء تتحرك بين المشهد وخارجه، وأحاديث لا تكاد تجد وقتا لتستقر حتى يطاردها حديث جديد. وكلما ظننا أننا اقتربنا من لحظة يمكن أن نلتقط فيها أنفاسنا وننظر إلى الصورة كاملة، عاد المشهد إلى دورانه الأول، كأن السياسة تخشى السكون أكثر مما تخشى الفشل.
وليس في الحركة السياسية ما يستحق اللوم في ذاته؛ فالبلدان التي تمر بالحروب والانقسامات لا تستطيع أن تجلس مكتوفة الأيدي، والسياسة بطبيعتها فعل وتفاوض ومحاولة للعثور على مخارج. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الفعل بديلا عن الفكرة، وحين يكتسب النشاط قيمة مستقلة عن السؤال الذي يفترض أن يقود إليه. عندها يمكن أن تمتلئ الساحة بالحركة، بينما يظل المستقبل خاليا إلا من الأمنيات.
ذلك هو القلق الذي يستحق أن نتوقف عنده. ليس قلق السياسي على موقعه أو نفوذه أو قدرته على البقاء في المشهد، وإنما القلق الأعمق الذي أصاب السياسة نفسها، حين لم تعد قادرة على إنتاج تصور يتجاوز اللحظة. فالسياسي الذي يعيش تحت ضغط اللحظة يميل إلى معالجة ما هو أمامه، ثم ما يأتي بعده، ثم ما يليه، حتى يصبح المستقبل سلسلة من الأزمات المؤجلة، لا مساحة للتفكير في شكل الحياة التي نريدها بعد انتهاء الأزمة.
وربما لهذا ظل السودان، رغم كثرة الحديث عن السلام والحوار والانتقال والدولة المدنية والعسكرية والعدالة والمصالحة، أقل حظا في إنتاج الفكرة التي تجمع هذه العناوين داخل تصور واحد. نعرف كثيرا ما الذي نرفضه، ونختلف طويلا حول من يملك الحق في تمثيل البلاد، ونستهلك طاقة هائلة في تحديد من يجلس إلى الطاولة ومن ينبغي أن يبقى خارجها، لكننا لا نمنح السؤال الأصعب الوقت نفسه: ماذا نريد أن نبني حين ينتهي هذا الصراع؟
هذه ليست مسألة لغوية ولا ترفا فكريا يمكن تأجيله إلى ما بعد توقف الحرب. فالحرب نفسها، في أحد وجوهها، نتيجة لعجز طويل عن بناء قواعد يتسع فيها الوطن لاختلاف أهله. وكل اتفاق سياسي لا يلامس هذه الجذور سيظل أقرب إلى هدنة بين قوى متعبة منه إلى تأسيس لحياة سياسية جديدة. قد تتغير الوجوه، وقد تتبدل التحالفات، وقد تتغير مواقع القوة، لكن البنية التي تجعل الدولة ساحة للصراع ستظل قائمة، تنتظر دورة أخرى من التاريخ.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في النخب السياسية أن القلق الذي يدفعها إلى الحركة هو نفسه الذي يحرمها من المسافة الضرورية للتفكير. فضغط اللحظة، وتبدل موازين القوى، والخشية من ضياع فرصة سياسية، كلها تجعل كل لحظة تبدو عاجلة، وكل تأجيل يبدو خسارة، وكل جلسة لا تنتج موقفا فوريا تبدو مضيعة للوقت. وفي مثل هذا المناخ تصبح السياسة أسيرة الحاضر، بينما تحتاج صناعة الدول إلى شيء من البطء الذي يسمح للفكرة بأن تنضج قبل أن تتحول إلى شعار، وللتصور أن يتسع قبل أن يتحول إلى برنامج.
هنا تحديدا تصبح كثرة الحركة مشكلة. ليس لأنها حركة، وإنما لأنها لا تترك وراءها أثرا فكريا يوازي حجمها. نحن نتحرك كثيرا، لكن ماذا أنتجنا من معرفة جديدة عن السودان؟ ماذا تعلمنا من الحروب السابقة؟ ماذا تغير في تصورنا للدولة بعد كل هذه التجارب؟ ماذا فعلنا بمسألة العلاقة بين المركز والأطراف، أو بين المؤسسة العسكرية والسياسة، أو بين الهوية والمواطنة، أو بين الدين والدولة، أو بين السلطة والثروة، أو بين العدالة والمصالحة؟ وما الذي يمكن أن نضعه اليوم على الطاولة باعتباره خلاصة تجربة سودانية، لا مجرد استعارة من تجارب الآخرين؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى مؤتمر آخر بالضرورة، ولا إلى منصة سياسية جديدة، ولا إلى بيان طويل. تحتاج إلى عقول تستطيع أن تجلس معا خارج ضغط الاصطفاف، وأن تفكر في السودان بوصفه وطنا يحتاج إلى إعادة تأسيس، لا غنيمة تحتاج إلى إعادة توزيع. تحتاج إلى مساحة يكون فيها السياسي قادرا على الاستماع، والمثقف قادرا على النزول من برجه، والأكاديمي قادرا على مغادرة اللغة المغلقة، والناشط قادرا على مراجعة يقينياته، وكل واحد منهم مستعدا لأن يكتشف أن جزءا من الحقيقة التي يحملها لا يكفي وحده لبناء وطن.
فالعقد الاجتماعي لا يولد من لحظة توقيع، ولا من توازن مؤقت بين قوى متنافسة، وإنما من فكرة عميقة عن كيفية العيش معا. ولهذا فإن أي حديث عن المستقبل السوداني لا يذهب إلى هذه المنطقة سيظل ناقصا مهما بدا كبيرا. نحن لا نحتاج فقط إلى اتفاق يوقف الحرب، وإنما إلى اتفاق أعمق مع أنفسنا حول معنى الدولة التي نريدها، والحقوق التي لا يجوز أن تخضع للمساومة، والسلطات التي ينبغي أن تُراقب، والمؤسسات التي يجب أن تتجاوز الأشخاص، والثروات التي ينبغي أن تكون ملكا عاما لا وقودا للصراع، والاختلاف الذي ينبغي أن يصبح جزءا من تعريف السودان لا سببا لتفكيكه.
ولعل السودان في هذه اللحظة يحتاج إلى ما هو أبعد من «الحوار» بالمعنى الذي استهلكناه. يحتاج إلى إنتاج معرفة مشتركة تسبق الحوار السياسي نفسه، وإلى الاعتراف بأن الذين سيجلسون حول أي طاولة لا يمكن أن يصنعوا عقدا اجتماعيا جديدا إذا دخل كل واحد منهم إليها وهو يحمل السودان القديم داخل رأسه. فالحوار الحقيقي لا يبدأ عندما يجلس المختلفون، وإنما عندما يكونون قد امتلكوا الشجاعة الكافية لمراجعة بعض الأفكار التي جاءوا بها إلى الطاولة.
وهنا يمكن أن يصبح القلق، إذا أحسنا التعامل معه، بداية نافعة لا مرضا مزمنا. فالقلق الذي يدفع الإنسان إلى السؤال يمكن أن يكون طاقة معرفة، أما القلق الذي يدفعه إلى الحركة المستمرة من دون مراجعة فهو مجرد استنزاف. والسياسة ليست مطالبة بأن تكون هادئة دائما، لكنها مطالبة بأن تعرف متى تتحرك ومتى تتوقف، متى تفاوض ومتى تفكر، ومتى تبحث عن تسوية ومتى تعترف بأن التسوية نفسها لن تعالج جذور المشكلة.
ربما لهذا لا يحتاج السودان الآن إلى مزيد من السياسيين الذين يعرفون كيف يتحركون بسرعة، بقدر ما يحتاج إلى سياسيين ومفكرين يعرفون كيف يتوقفون في اللحظة المناسبة. إلى من يستطيع أن يترك الهاتف جانبا، ويؤجل الاجتماع، ويغلق دفتر التحالفات لبعض الوقت، وينظر إلى البلاد من مسافة تسمح له بأن يرى ما لا يراه وهو داخل الزحام. ففي المسافة بين الحركة والسكون تولد أحيانا الأفكار التي تغير اتجاه التاريخ.
وقد يكون أكثر ما يثير القلق أن نخرج من الحرب كما دخلنا إليها: بكثير من الشعارات، وكثير من الحسابات، وكثير من الذين يعرفون كيف يختلفون، وقليل من الذين يعرفون كيف يبنون. عندها لن يكون السؤال عما إذا كنا قد تحركنا بما يكفي، وإنما عما إذا كانت كل هذه الحركة قد تركت لنا فكرة واحدة تستحق أن يعيش الناس من أجلها.
فالأوطان لا تُبنى بكثرة الحركة، وإنما بما تتركه الحركة وراءها من مؤسسات وأفكار وقواعد وثقة. ولا يولد العقد الاجتماعي من كثرة الجلوس حول الطاولات، وإنما من القدرة على تخيل وطن يتسع لمن يجلس عليها ولمن لا يجلس. وربما كان هذا هو الفارق كله بين السياسة التي تطارد اللحظة والسياسة التي تصنع المستقبل: الأولى لا تكاد تفرغ من شأن حتى تعود إليه، أما الثانية فتتوقف قليلا، تنظر إلى الطريق، ثم تسأل نفسها إلى أين ينبغي أن تمضي.
وفي بلادٍ عرف أهلها «ود أبرق» منذ زمن بعيد، ربما آن للسياسة أن تتعلم منه درسا معكوسا: ليس المهم أن تظل منشغلا طوال الوقت، وإنما أن تعرف ما الذي يستحق كل هذا الانشغال.
م. معاوية ماجد
