نحن أمام مشهد يبعث على الدهشة والريبة معاً: الحركة الإسلامية السودانية، التي لطالما نحتت الحزب الشيوعي في صخر العداء، واعتادت تصويره خصماً لدوداً و”عدواً لله والوطن”، تمدّ الآن “غصن زيتونٍ أحمر” نحو الحزب الأحمر نفسه. كأنّ التاريخ يلهو بسخريته الثقيلة، وكأنّ البلاد صارت مسرحاً لحكاية غرامٍ متأخر بين أضدادٍ لطالما تقاتلوا في الساحات والجامعات والشوارع.
سناء حمد، القيادية الإسلامية، تتقدّم الصفوف بأعينٍ أكثر حناناً وعبارات مُضمّخة بالوله. أعادت تقديم “الشيوعي” على أنه الرائد الأول في التنظيم، في الثقافة، في الحضور النسوي، في القانون الداخلي. بدت كلماتها كاعتراف متأخر بأن الإسلاميين الذين حاربوا “الشيوعي” حتى العظم، استفادوا من تجربته وتكوينه. لم يكن ذلك مديحاً بقدر ما كان استدعاءً لقدَرٍ لا يمكن محوه: أن العدو القديم يسكنك حتى حين ترفضه، وأنك في لحظة الهشاشة الوطنية تضطر إلى عناقه.
سناء تمهّد لتحالفٍ جديد، وتغري جمهورها بعبارة “حلف عاقل ووطني وعملي”، فيما تبدو البلاد وقد نفدت قدرتها على احتمال نزيفٍ جديد من صراع الأيديولوجيا أو صراع الجيوش على الأرض.
الغزل لا يقف عند حدود الكلمات. القائد الميداني لفيلق “البراء بن مالك”، يُعلن دعمه لطلب الحزب الشيوعي استعادة داره في أم درمان. فجأة يصبح “دار الشيوعي” رمزاً لعودة الحياة المدنية، ومشهداً مسرحياً يربط بين رائحة البارود وحلم السياسة.
ومع ذلك، فإنّ هذا العناق المرتبك بين “الشيوعي” والإسلاميين ليس بريئاً. فـ “الشيوعي” الذي لطالما رفع راية الثورة، انسحب من تحالف الحرية والتغيير منذ 2020، وأدار ظهره لحكومة حمدوك، ثم بدا أكثر ميلاً للصمت بعد انقلاب أكتوبر 2021. زياراته لمسؤولي الانقلاب ومبادراته المحلية، من عطبرة إلى نهر النيل، أظهرت استعداداً عملياً للتماهي مع سلطة العسكر. هكذا يحكي خصومه، الذين رأوا في ذلك خيانة صريحة لدماء ديسمبر، وانزلاقاً إلى صف الانقلابيين ولو بأقنعةٍ مدنية. يتساءلون: هل صار “الشيوعي”، الذي ادّعى الطهر الثوري، خادماً لأجندة العسكر؟
الحركة الإسلامية لا تتحرك بدافع الغفران، بل تقرأ هذه اللحظة بعين الانتهازي السياسي. إنها براغماتية اللحظة: بلد يتفتت، جيش يحارب على أكثر من جبهة، ومجتمع يتوزّع بين النزوح والجوع والخوف. في مثل هذه اللحظات، يصبح العدو القديم سنداً محتملاً، وتتحول الأيديولوجيا إلى عبءٍ مؤجل، ويصبح الغزل وسيلة لإعادة ترتيب الأوراق.
وهنا يولد السؤال القاسي: هل سيتقدم “الشيوعي” خطوة تجاه غزل سناء ويستلم وردتها؟ هل يمكن أن يُبنى مستقبل السودان على “زواج ضرورة” بين خصمين؟ أم أنّ ما نراه اليوم ليس سوى دعوة لقيام تحالف هشّ يصعب التبشير بقيامه أو بصموده حتى لو قام؟
التاريخ السوداني مثقل بتجارب التحالفات الملتبسة: أحزابٌ اجتمعت ثم افترقت، جبهاتٌ وُلدت لتنهار، وكياناتٌ اختارت العسكر مرة بعد أخرى ثم دفعت الثمن.
على كل حال، يخطّ الإسلاميون أبيات غزلٍ لـ “الشيوعي”، ويدعونه إلى مائدة الصفقة، فيما يبتسم الأخير بخجلٍ مرتبك أمام سلطةٍ عسكرية يعلن رفضها بلسانه، لكنه لا يبتعد كثيراً عن دفئها. وفي المحصلة، قد يجد الطرفان نفسيهما غارقين في إعادة إنتاج الدائرة ذاتها: حكمٌ مأزوم، وبلدٌ يتهاوى في جحيم أزماته.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم