samir.alawad@gmail.com
الجنرال يواصل المراوغة، والرباعية تمضي وتجيء، تجتمع وتغادر، تصدر البيانات تلو البيانات، فيما الواقع يراوح مكانه. مشهدٌ بات مألوفًا حدّ الإعياء، وكأن الزمن في هذا البلد عالق عند نقطة واحدة لا تتقدم ولا تنفجر، بل تستنزف ما تبقى من صبر الناس وأحلامهم.
منذ اندلاع الحرب، تعلّق السودانيون على اختلاف مواقعهم بخيط رفيع من الأمل. قيل إن الضغوط الدولية ستُجدي، وإن المبادرات الإقليمية ستفتح ثغرة في جدار العناد، وإن “الرباعية” بما تملكه من نفوذ سياسي واقتصادي قادرة على إحداث اختراق. لكن ما حدث هو العكس تمامًا: زيارات بلا نتائج، اجتماعات بلا أثر، وبيانات لغتها أفخم من أفعالها.
في المقابل، الجنرال لا يتقن سوى لعبة الوقت. يراوغ، يناور، يرسل إشارات متناقضة، ويعرف جيدًا أن إطالة أمد الأزمة تخدم معادلات القوة على حساب معاناة البشر. لا حديث جاد عن وقف الحرب، ولا استعداد حقيقي لتقديم تنازلات تفتح الطريق أمام حل سياسي شامل. كل ما في الأمر إدارة للأزمة لا حلّ لها.
وبين هذا وذاك، يئن الشعب السوداني تحت وطأة حرب لم يخترها. ملايين المشردين في الداخل والخارج، أسرٌ تمزقت، مدنٌ فرغت من أهلها، وأحلام بسيطة بالعودة إلى الديار تحولت إلى أمنيات مؤجلة. هؤلاء لا تعنيهم لغة البيانات، ولا تهمهم بروتوكولات الاجتماعات المغلقة؛ ما يريدونه هو الأمان، ووقف القتل، وبصيص أمل في وطن قابل للحياة.
المفارقة المؤلمة أن المجتمع الدولي يبدو وكأنه اعتاد على المأساة. فبدل الانتقال من “القلق العميق” إلى الفعل الحاسم، يجري تدوير العبارات نفسها، وكأن الكلمات وحدها قادرة على إيقاف المدافع. أما الرباعية، التي كان يُفترض أن تكون رافعة ضغط حقيقية، فقد تحولت في نظر كثيرين إلى شاهد دبلوماسي على انسداد الأفق.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس استمرار الحرب فحسب، بل تطبيع العالم مع استمرارها، وتكيّف بعض النخب معها كأمر واقع. فحين يطول الانتظار، ويتحول الأمل إلى عادة بلا مضمون، يصبح اليأس أرضًا خصبة لمزيد من العنف والانقسام.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس بيانًا جديدًا، بل موقفًا واضحًا ضغط حقيقي لا لبس فيه، محاسبة من يعرقل السلام، ودعم مسار سياسي يضع مصلحة المدنيين فوق حسابات السلاح والسلطة. فالأوطان لا تُدار بالمراوغة، ولا تُنقذ بالتصريحات.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل الواقع يراوح مكانه، بينما يدفع السودانيون – مرةً أخرى – ثمن حرب لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل، سوى أنهم حلموا بوطنٍ يستحق الحياة.
د. سامر عوض حسين
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم