وعيٌ يصنعُ المستقبل: بين السيناريو والخيال في زمن التشظّي

مقال بقلم: صلاح أحمد الحبو

في لحظةٍ بدت وكأنها خارج الزمن، لم أكن أقف على أرضٍ أعرفها، ولا داخل واقعٍ يمكن تفسيره. كنتُ أرى مدنًا تُبنى قبل أن تُخطَّط، وحدودًا تتلاشى قبل أن تُرسم، وعقولًا تُفكّر كما لو أنها تحرّرت من ثقل التاريخ. لم يكن ذلك حلمًا عابرًا، بل انزلاقًا واعيًا نحو فضاءٍ آخر، حيث يصبح الخيال أداة معرفة، ويغدو التنبؤ فعلًا تحليليًا لا حدسًا غامضًا. هناك، أدركتُ أن ما نعدّه في سياقنا السوداني أدواتٍ غير مألوفة—كالخيال العلمي والتفكير الاستشرافي—ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة مؤجلة، تأخرنا كثيرًا في إدراكها.

وفي عمق ذلك الفضاء، تشكّل المشهد كأنه محاكاةٌ كونية لمستقبلٍ لم يولد بعد؛ عالمٌ تتقاطع فيه القوى وتتفكك إلى مساراتٍ محتملة، حيث لم يعد المستقبل خطًا واحدًا، بل شبكة احتمالات تُختبر عبر أسئلة “ماذا لو”. كنتُ أتنقّل بين هذه المسارات، أعيد ترتيب الفرضيات وأراقب تحوّلاتها، إلى أن بلغ المشهد ذروته حين تسلّل السودان إلى هذه المحاكاة، لا كفكرةٍ عابرة، بل كواقعٍ مثقل بالتناقضات. عندها، لم يعد التحليل كافيًا لاحتواء التعقيد، ولا التفسير قادرًا على تهدئة القلق، فكان لا بد من الانتقال إلى مستوى آخر: وعيٌ بالمستقبل لا يكتفي بفهمه، بل يسعى إلى صناعته عبر أدواته، وفي مقدمتها خيالٌ علمي يعيد تشكيل الممكن، ويحوّل الاحتمالات إلى نماذج قابلة للاختبار.

ومن بين أدوات ذلك الوعي، برز الخيال العلمي كقوةٍ غير مرئية تعيد تشكيل المشهد. لم يعد مجرد سردٍ افتراضي، بل مختبرًا استشرافيًا يحوّل التصورات إلى إمكانات، ويصل بين الحقائق العلمية والرؤية التنبؤية، ملهمًا مسارات الابتكار من الذكاء الاصطناعي إلى الروبوتات واستكشاف الفضاء. وهكذا، انفتح الفضاء الافتراضي على أفقٍ أوسع: حيث تتقاطع السيناريوهات مع الخيال، وحيث يصبح السودان نموذجًا يمكن تفكيكه وإعادة بنائه عبر احتمالات متعددة.

ومن هذا الفضاء، انفتح حوارٌ متخيّل مع خبيرٍ في دراسات استشراف المستقبل، لم يكن حضوره اسميًا بقدر ما كان معرفيًا، كأنه يمثل خلاصة هذا الحقل كله.

قلتُ (الكاتب):
“أتعامل مع السيناريو كأداة لتحليل القوى الدولية، لكن حين أطبّقه على السودان، أشعر أن الواقع ينفلت من النماذج. التشظّي هنا ليس مجرد نتيجة حرب، بل حالة بنيوية.”

قال (الخبير):
“لأنك تحاول احتواء الأزمة ضمن إطارٍ تحليلي فقط. الحالة السودانية تحتاج إلى ما هو أبعد: تحتاج إلى الجمع بين التحليل والخيال. السيناريو وحده لا يكفي إن لم يتصل برؤية تتجاوز المعطى.”

قلتُ (الكاتب):
“وهل يمكن للخيال—بما فيه الخيال العلمي—أن يكون أداة جادة في هذا السياق؟”

قال (الخبير):
“الخيال ليس نقيض العلم، بل امتداده. حين تعجز الأدوات التقليدية عن استيعاب التعقيد، يصبح الخيال وسيلة لاختبار ما لم يحدث بعد. إنه مختبر غير مرئي للسياسات.”

قلتُ (الكاتب):
“إذن، نحن لا نبني سيناريوهات فقط، بل نخلق عوالم يمكن أن نختبر فيها مستقبل السودان؟”

قال (الخبير):
“تمامًا. دعنا نطبّق ذلك. ما هي السيناريوهات التي تراها؟”

توقفتُ قليلًا، ثم بدأت أرى السودان لا كما هو، بل كما يمكن أن يكون عبر ثلاث مسارات:

في السيناريو المتفائل، تنجح القوى الاجتماعية في إعادة بناء الدولة على أسس جديدة؛ تتحول الحرب من لحظة انهيار إلى نقطة انطلاق، ويُعاد توزيع السلطة والثروة بشكلٍ أكثر عدالة. يدخل السودان عصر الاقتصاد المعرفي، وتصبح التكنولوجيا—بما فيها الذكاء الاصطناعي—أداة لإعادة بناء المؤسسات.

في السيناريو التشاؤمي، يستمر التشظّي، وتتحول الحرب إلى نمط دائم، تتفكك معه الدولة إلى كيانات متناحرة. تتآكل الموارد، ويصبح المستقبل رهينة لصراعات محلية وإقليمية، دون أفقٍ واضح للخروج.

أما في السيناريو الواقعي، فيتجه السودان نحو تسوية جزئية؛ تنخفض حدة الصراع دون أن تُحل جذوره، وتستمر الدولة في حالة هشاشة، مع محاولات متقطعة للإصلاح.

قلتُ (الكاتب):
“هذه السيناريوهات تبدو ممكنة، لكن السؤال: كيف نختار بينها؟”

قال (الخبير):
“لا تختارها… بل تؤثر فيها. هنا يأتي دور الوعي بالمستقبل. حين تدرك القوى الفاعلة هذه المسارات، يمكنها أن تعيد توجيه قراراتها نحو السيناريو الأكثر استدامة.”

قلتُ (الكاتب):
“لكن ذلك يتطلب تحولًا في الوعي، لا في السياسات فقط.”

قال (الخبير):
“بالضبط. المستقبل لا يُصنع بالأدوات فقط، بل بالعقول التي تستخدمها.”

وفي هذا السياق، تتكثّف الفكرة في معناها الأعمق:
(ونحن، كسودانيين، لا نكتفي باستشراف مستقبلٍ واعد، بل نعيه بعمق، ونمتلك القدرة على صناعته، والالتزام باستدامته).

وهنا، لا يعود المستقبل احتمالًا بعيدًا، بل مرآةً لإرادتنا: إمّا أن نعكس فيها عجزنا، أو نعيد تشكيلها بوعينا. فالاستشراف ليس رفاهية فكرية، بل فعلٌ أخلاقي يمتد عبر الزمن، يوازن بين حقّنا في الحاضر وحقّ الأجيال القادمة في غدٍ أقلّ هشاشة وأكثر عدلاً.

الوعي الذي يصنع المستقبل هو ذلك الذي يجرؤ على كسر سكون اللحظة، ويحرّر الإرادة من أسر الواقع، لا بالإنكار، بل بإعادة التخيل ثم الفعل. وعند هذه العتبة تحديدًا، لا نعود مجرد شهود على ما سيأتي، بل شركاء في صناعته.

وهكذا، لا نقف أمام المستقبل… بل ندخل إليه

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

وعيٌ يصنع الممكن: كيف نقرأ السودان في مرآة التغيير الصعب؟

قراءة نقدية مقارنة في ضوء كتاب Switch: How to Change Things When Change Is Hard …