وقفات (2)

عظيم كوش وكمت الملك تهارقا في وصفه لجنوده، يقول:
يأتون كنسمه الريح.. كطيور الكايتس التي تضرب على الهواء بأجنحتها… حتى قوات النخبة ليست أفضل منهم فكلهم نخبه…..”
وتحت عنوان “السودان ما بين نبته ومروي” يحدثنا المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد في كتابه المأزق التاريخي وآفاق المستقبل – المجلد الأول (1996)، قائلاً، قد لا يهتم الكثيرون بدراسة التجربة الحضارية الكوشية بسبب ما يعشعش في بعض العقول من أوهام بأنها حضارة سادت ثم بادت، أو أنها لم يكن لها أي تأثير حي وحيوي في موروثنا الثقافي المعاصر.
وهناك اتجاهات متعددة أخري، فيها الشيء الكثير من الغرض الساذج، حيث تميل الي التقليل من أهمية البحث وضرورة الدراسة في تلك الحقبة أو ذاك العهد، بسبب الاعتقاد الخاطئ، بأن ابتعاث الكوشية القديمة ما هو الا محاولة تأصيل العودة الي ما وراء العروبة والإسلام. وبالمقابل هناك توجهات مختلفة معاكسة، ترى أهمية ابتعاث الدراسات الكوشية وضرورتها لشد هذا السودان الي ما قبل الحقبة العربية الإسلامية.
وفي معمعة مثل هذه، بين هذا الفريق وذاك الثاني، تضيع وتغيب حقيقة رئيسية وأساسية وهي القائلة إن تجربة كوش الحضارية هي، بلا شك، الأوفر حظاً بين كل تجاربنا الحضارية التاريخية القديمة، ونحتاج لها للإجابة عن نسبية التفاعل الحضاري داخل رحم السودان الكبير، حينما يكون هذا البلد “السودان” في حالة الاستمداد من مصر الواقعة شماله وخلفيتها المتوسطية كما كان عليه حال تلك “نبتة”، ثم عندما يختار السودان الأخذ بهذا الموروث المتوسطي ويندمج به في الإطار الزنجي الأفريقي جنوباً، كما كان ذلك حال تلك “مروي”.
فمثل ما كانت “نبته” هي رمز الارتباط بالشمال المتوسطي، كانت مروي هي رمز الارتباط بالعمق الأفريقي الزنجي، وعندما نقوم بمحاولات في زماننا الراهن من أجل معالجة تحديد هويتنا السودانية وتفاعلها وتفاعلاتها -أفريقياً وعربياً- فلا يمكن لدارسنا ولباحثنا أن يغض الطرف عن الحالة الحضارية الكوشية، التي وجدت وتموضعت أولاً في “نبتة” في الفترة الزمانية التي امتدت بين هذين العامين (750 ق م – 590 ق م)، حيث كان الأثر الشمالي المتوسطي هو المسيطر وهو المهيمن على كافة التمثلات الحضارية، وبعدها تحولت الي “مروي” في وسط البلد السوداني (590 ق م – 350 م)، وفي زمانها كان هناك تداخل مع المحيط الأفريقي الذي أردفها وأغناها بخصائص هوية متفردة ومتميزة،خصائص تباينت من حيث التوجهات الثقافية والتوجهات الروحية والنظام الاجتماعي عن تلك المصرية الخالصة الصرفة.
وهذا يوضح الي حد بعيد الي أنه كلما تحرك مركز الثقل الحضاري في السودان الي الوسط وجد نفسه محاطاً بالأرجاء الافريقية غرباً وجنوباً وشرقاً، وكلما مالت هويته للأخذ بمعطيات التكوين الأفريقي. غير أن الذي ذكرناه، قد يأخذ شكل صياغة قانون لتفاعلات الشخصية السودانية بين القطبين العربي والافريقي، ولكننا لا يجب أن يغيب عن أذهاننا حقيقة رئيسية واساسية أخرى، وهي أن “مروي” التي تفاعلت بالمحيط الزنجي الأفريقي وصاغت ووضعت أسس توسيع واثراء هذه الشخصية السودانية ضمن تعدد أفريقي، فشلت في الاستمرار في هذه المهمة وفي هذا الدور التاريخي الحضاري لأبعد من 350م، وبعدها تضعضعت وانهارت تحت ضربات الغزو الأكسومي المبرحة، هذا الغزو الذي شنه “عيزانا”، والسبب وراء هذا الاعتداء كان هو الصراع بينهما حول سواحل البحر الأحمر وحول النفوذ في المنطقة.
ولعله بتحقيقنا وبدراستنا للأسباب التي أدت الي فشل التجربة المروية المتفاعلة مع العمق الأفريقي وانهيارها ما يشير الي مأزق دعاة البعث الافريقي وتبلور الشخصية السودانية وتشكلها على هذا النمط “الأحادي الجانب”. ولا ينبغي لنا أن نتناسى حقيقة أن مروي أخذت من نبتة، ونبتة بدورها آخذة عن مصر، ولم تتمكن ضمن موقعها الافريقي أن تتحرك الي الأمام وتطور في نموها المادي “الاقتصادي والاجتماعي”، بمستوي يتكافأ ويتماثل مع دورها الحضاري المركزي الجديد ضمن محيط زنجي افريقي، متسع رحب ومتعدد البناءات، وكان أن فقدت تلك “مروي” تواصلها واتصالها بالعمق المتوسطي الشمالي (نبتة-مصر)، وبدون أن تطور ذاتياً قاعدة مادية تحمل مركزيتها الحضارية الجديدة في افريقيا، فهزل وضمر الأثر الحضاري في ذاتها التكوينية من جانب، ولم تتمكن من بناء مقوماتها المادية من الجانب الآخر، فكان مصيرها الانهيار والخور تحت ضربات الخصم الاكسومي.
ولعلنا واجدين أسباب صمود، حضارات البحر الأبيض المتوسط والشرق الأدنى وجنوب الجزيرة العربية، الطويل ولفترات أطول في أنها دامجت بين نموها الحضاري وما أحدثته من تطور في وسائل الري وفي معدات الإنتاج وأساليبه، فراكمت قواها الطبقية (ملوك/كهنة/محاربون)، وكان ذلك بمثابة فائض قيمة أوصلتها الي مرحلة وحقبة بناء الاهرامات وشق الترع وإقامة السدود (الخزانات) وأبراج بابل وأسطول الفينيقيين.
ولكن “مروي” تلك التي عايشت موروثاً متقدماً جداً أخذته وحملته من (نبتة-مصر)، وتحركت به باتجاه البيئة الأفريقية دون أن تدعمه ودون أن تساعده بنمو اقتصادي واجتماعي، يجذب ويضم ويستقطب بإيجابية وبفعالية مركزية تلك الأرجاء المحيطة، ولكنها، للأسف، فشلت وعجزت عن الديمومة والاستمرارية.
فتاريخنا الكوشي بفترتيه “النبتية” و”المروية”، يعلمنا أهمية وضرورة أن نستصحب عمقنا المتوسطي بما يؤمن التحديث والتجديد المستديم والمستمر لحيويتنا في المكان الأفريقي، فلا نفقد ونضيع من بين أيدينا الاسناد، الذي يعزز قدراتنا على الانفتاح الافريقي الإيجابي المحمود والمطلوب، ومع إضافة عوامل النمو الاقتصادي الاجتماعي، ودون ذلك ومع غياب ذلك تصبح توجهاتنا الافريقية عبارة عن حرث في فراغ التعددية الهلامية، بل ينمي ويرعى ذلك تلك الأنواع والانماط التي أصبحت معلومة ومعروفة ومشهورة بالسلبية الانعزالية التي تكون هذه الأفريقية أولى ضحاياها، حيث يغيب عن هذه الافريقية (الزنجية) الاتصال والتواصل مع العمق المتوسطي، كما صار وحدث في التجربة المروية.
وتكمن مأساة مروي في أنها استسلمت لاستقطاب عكسي أدني حظاً في امكانياته ومقوماته الحضارية من الاستقطاب الذي أوجدها أصلاً في بداياتها، وفي زمانها كانت ضربة (عيزانا) القاضية، ثم تضعضعت وتمزقت مركزية المكان أو الموقع السوداني، فلم يعد بعد ذلك بمقدور الكيانات، المجزأة المشتتة التي كونت مروي، حماية شخصية السودان الحضارية القديمة والحفاظ عليها.
ولهذه الأسباب المذكورة، علينا أن نلح وأن نصر على ابتعاث الدراسات القديمة الكوشية في حياتنا التاريخية، وفي مناهج تربيتنا الوطنية، حتى يتعلم أبنائنا جيداً وبعمق وبموضوعية، بأن تحولنا الي منطق الهوية المعروف (بين الغابة والصحراء) يجب ألا يكون على حساب العمق الحضاري الذي تعمق وتجذر في منطقة وسط السودان عبر أيام وسنوات تعود الي القرن السابع قبل الميلاد.
اذن فالمطلوب مننا هو أن نعمل على تأصيل هذا الموروث الحضاري الثري، لضمه ودمجه في محيطه الأفريقي الزنجي لكي تصبح تلك الثقافات الافريقية الزنجية بعداً مكملاً، لا خصماً، ومتفاعلاً ايجابياً مع الموروث المتوسطي. وتعتبر تلك بمثابة خلاصات مهمة من تجربة العهد الكوشي على الرغم أو بالرغم من أن البحوث والدراسات والتحقيقات ما زالت في طورها الفطير الابتدائي.
وعندما انفصل وانقطع السودان عن الدورة الحضارية الكونية اللاحقة للحضارات المتوسطية، لم يتمكن من أن يقيم ويوجد تلك المركزية التاريخية التي كانت ل “كوش”. ولم يكن يمتلك شيء ليعطيه في تلك المدة الزمنية، فانكفأ على نفسه وعاش لها في شكل كيانات مشتتة ومجزأة كسيحة غير قادرة على ممارسة أي شكل أو أي نوع من أنواع التأثير خارج حدودها الإقليمية.
وكان أن نشأت ثلاث ممالك سودانية، وهن، ونبدأ بالأولى وهي مملكة “نوباتيا” النوبية، والتي كانت مرتاحة في اقامتها بالشمال، وكانت تُكنى بمملكة “المريس”، وكانت عاصمتها هي “فرس”، المغمورة ببحيرة النوبة (الناصر) حالياً. وكانت الثانية هي مملكة “المقرة”، وعاصمتها “دنقلة” أو “دنقلا”، وكانا أن اتحدتا معاً بعد وقت، ليس بالطويل ولكنه قصير فعلياً، من أيام قيامهما ونشوئهما. وأخيراً كانت الثالثة هي “علوة”، وكان مكانها في وسط السودان وعاصمتها كانت “سوبا”.
لقد حاولت وارادت الثقافة المسيحية القبطية أن تحتوي وتستحوذ على مميزات المكان السوداني وموقعه الاستراتيجي، وذلك من خلال سعيها الحثيث لاحتواء هذه المماليك النوبية والعمل على تنصيرها. وقد كان لها أن تنجح في مسعاها وفي أمانيها، لو تأخر وصول العرب قليلاً، وكان يمكن أن نشهد دورة حضارية مسيحية في أفريقيا كلها تشبه الدورة “الكوشية” الماضية قبلها، غير أن العرب لم يتأخروا ولم يهملوا هذا العمل وهذا الجهد الا وقتاً قليلاً، لم يتخطى ولم يتجاوز القرن الواحد تقريباً، وانداحوا وانسابوا الي شرق والي شمال والي وسط هذا السودان، وواصلوا واستمروا يتفاعلون مع الثقافات السودانية المتعددة والمتباينة الي أن حضر عام 1505م عندما تحالفت قبائل العبدلاب من عرب القواسمة (الأصل جهينة) مع قادة الفونج. ومملكة الفونج هذه شملت المحيط الذي يقع ما بين النيلين الأبيض والأزرق، وكانت عاصمتها “سنار”، ونجحت في اسقاط آخر معاقل المسيحية-النوبية في السودان وهي مملكة “علوة” وعاصمتها “سوبا”.
….. نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …