في الذكرى الخامسة عشر لمفاصلة الإسلاميين (الرابع من رمضان (ديسمبر) 1999 قدمت “الخرطوم” خدمة صحفية قل نظيرها. فأفردت صفحة لخبر الواقعة من وضع عبدالله مكي صالح وكتب رئيس التحرير كلمة عن المغزي المعاصر لها. وهذه هي الذاكرة الجهازية التي حدثنا عنها منصور خالد يستعد بها منبر كالصحافة لتنوير القاريء براصد للحادثات الجمة في الوطن. فلولا استعادة الخرطوم لتلك المناسبة لما ربطت بينها وبين قرارات الرئيس البشير الأخيرة التي قبل فيها استقالة ولاة من كردفان وعين محلهم. فقد كان إنتخاب الولاة إحدى المسائل التي دفع بها الترابي في صراع المنشية والقصر. فقلب البشير الطاولة عليه بإعلان الطواريء، وحل البرلمان، وتعطيل مادة إنتخاب الولاة.
يبدو أن إنتخاب الولاة، حقاً أم باطلاً، فكرة لم تستقر في سياستنا بعد. فالولاة في الديمقرطية الثالثة كانوا ب”الكوتة” الحزبية. وسبقني من عدد صور اضطراب دولة الانقاذ حيال فكرة الوالي المنتخب وضيقها بها. وصار التعيين من قبل الرئيس هو السنة متى استقال (أو أقيل) الوالي في مثل حالة والي القضارف أو شمال وجنوب كردفان، أو قضى نحبه في حالة والي الشمالية، أو ما أدريش لون في دارفور. لم يتطرق دستور 2005 إلى ما ينبغي فعله بخلو منصب الوالي بالاستقالة أو الوفاة كما فعل في حالة رئيس الجمهورية مثلاً. ولكنه في الحالة الوحيدة للخلو التي ذكرها، وهي حجب الثقة منه بواسطة المجلس التشريعي للولاية، قضى الدستور أن يدعو رئيس الجمورية إلى إنتخاب وال بديل خلال ستين يوماً. وقياساً توقعنا أن يطبق هذا الإجراء في حالة الوفاة والاستقالة: عقلاً. ولم يحدث.
أحزنني تبرير المؤتمر الوطني لسحب أحمد هارون من جنوب كردفان. فقال إن الولاية تحتاج الآن إلى وال بمواصفات محددة نظراً للتحديات الأمنية. ولم يفعل المؤتمر سوى نقله إلى ولاية تواترت (بل فرقعت في أم روابة) تحدياتها الأمنية. وأرجع هنا إلى هاجس قديم لي منذ رشح المؤتمر مولانا لولاية جنوب كردفان أول مرة: ما الحكمة في ترشيحه؟ لماذا لم يترك المنصب للحلو حسبة وقد خدم نائباً لهارون قبل الانتخابات بشراكة مرموقة؟ فمطلب المؤتمر الوطني في جنوب كردفان لم يكن الوالي وإنما نيل الأغلبية في المجلس التشريعي الذي عليه مدار القرار في المشورة الشعبية. وتوقعت ألا ينافس المؤتمر الحلو ويترك له الولاية عربونا لحلف للوطن. ثم ثانياً: من قال لكم جنرالات الحركة الشعبية يستسيغون المنافسة: يا الهجمة يا النجمة. وجاب المؤتمر الوطني ضقلها يكركب.
يحيرني دائماً أن كيف لنا المخرج من أزمتنا الوطنية إذا ساءت سمعة الانتخابات، مناط الشرعية، إلى هذا الحد. فقد طمت بطن المعارضة منها، واسمها عندها هو الخج، ولم تعد تعول عليها إلا في شرط “تفكيك” دولة الإنقاذ بقيام حكومة غيرها للإنتخابات. يعني أنها تضع الحصان قبل العربة. ولا يبدو أن المؤتمر جاداً حين يتحدى خصومه ليلاقوه عند صناديق الإنتخابات القادمة وكلنا نراه لا يرعي ميثاقاً إنتخابياً بإخضاعه حركة الولاة “لكشف تنقلات” كما قال فيصل محمد صالح. أما حركات دارفور (الدوحية) فعقيدتها الكوتا لا المنافسة. فتطلب في مواثيقها مع النظام مثلاً نائباً لرئيس الجهمورية أو والياً للخرطوم منها بأمر جمهوري. فإذا لم تسعد الإنتخابات أياً من قوانا السياسية فكيف المخرج من “القِدَة” دي كما كان يقول المرحوم محمود محمد مدني يشتهي إطلاق سراحه من كوبر الغراء في 1971.
Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم