ولع … وبخبخ .. بقلم: شوقي بدري

قرأت قبل ايام لاحد كتابي المفضلين الاستاذ يحيي قباني موضوعا شيقا . فبعد ان ظبط شطة بالليمون قال لابنته انها شطة ابو كديس  . وتسائلت ابنته هل يعني بالانجليزية ,, فاظر اوف ذي كات ؟ 
الكديس كلمة نوبية مثل ككو وقرنتية وطورية  …. الخ  ومن الكلمات البجاوية عنقريب وككر وبعشوم وقنقر وشلوفة … الخ 
المقصود طبعا بابو كديس هو السجاير ابو كديس او كريفن ايه  . وشعاره كديس او قط . ولقد طغي هذا السجاير بصورة سريعة علي سجاير البحاري او نيفي كات . وشعاره بحار بلحية . والبحاري كان مسيطرا تماما علي السوق . ولكن مع بداية الحكومة الانتقالية فتحت الاسواق السودانية لبضائع مختلفة بعد ان كانت كل البضائع بريطانية او ما تمتلك فيها بريطانيا اسهم مثل شركة فيليبس للادوات الكربائية وهي هولندية . وظهرت السيارات الالمانية والفرنسية . مثل الفولكسواحن والبيجو .
ابو كديس كان طفرة وثورة في عالم التدخين لانه كان مزودا بفلتر . والسجاير قبل الحرب لم تكن مزودة بفلتر . وكان الناس يقولون لاغاظة شخص في لعبة الكره او االورق ابو كديس ضرب البحاري . او ده شغل ابو كديس .
الليمونادة كانت الجنجبيرة  . وتصنعها السكك الحديدية قسم المرطبات . او ليمونادة نظاريت ايمريان الارمني ومعمله شرق الجامع الكبير في امدرمان . وهو يسكن في شمال المجلس البلدي ,, حارة اليهود  .
وظهرت الكيتي كولا والسينالكو . والسينالكو كانت شفافة .  وشعار الكيتي كولا كديسة تركب دراجة وتحمل صينية وتقدم الكيتي كولا . وكانت في 1953 اغنية شعبية في امدرمان تقول ,, الكيتي كولا راكبة عجل والسنالكو جاريا ورا . وكانت من اغاني البنات . لان الشباب كانوا يركبون العجلات .
احد اهل البادية اتي لامدرمان في  الثمانينات  في الديمقراطية الاخيرة. وطلب كيتي كولا . فضحك صاحب الدكان وقال له ,, انت من اول مارس تاني ما جيت ؟؟ ,, فبعد دخول البيبسي والكوكا كولا توقفت الكيتي كولا والسنالكو . واول مارس المقصود به احضار الانصار في اول مارس 1954 . وحادثة مذبحة القصر . والاعمام نورين والعم حسين ناضلوا بمشروب الحرية . وظهرت الدبل كولا والبزيانوس  فيما بعد.
قديما كان هنالك سجاير ماتوشيان وعرف بسجاير المشاطات بعد ان ظهر البحاري الفاخر . وعرف كذالك بحنكروش . 
سجاير ماتوشيان تغير اسمه عند العامة الي ماتو سيان . لانهم اكتشفوا في مكان تعبئته في مصر ، كانوا يخلطون النشارة بالتبغ . وكانت فضيحة لم نعشها ولكن سمعنا بها فيما بعد . وفي مصر كانت هنالك مهنة جمع السبارس . ويقومون بتعبئته من جديد للفقراء . ويجمعه الاطفال من الرصيف والمقاهي . وفي السودان كان هنالك سجاير رخيصة اسمها ابو نخلة كانت مرغوبة في الستينات بسبب رخص ثمنها . 
في بداية الخمسينات ظهر سجاير فاخر اسمه ملز . توجد بداخل الصندوق صور لمحاربين وحيوانات بديعة كان الاطفال يجمعونها . ولكن البحاري كان سيد الموقف . وكان ياتي في علب من الصفيح تحوي علي 50 سجارة والعلبة اسطوانية . او في علب عشرة او عشرين سجارة . وللعلبة الفارغة قيمة فالنساء يحفظن فيها الخيوط والابار والخرز والمفاتيح والاغراض الصغيرة .
في صور يوم الاستقلال يظهر رجل طويل القامة وهو يرافق السيد عبد الرحمن والميرغني . انه العم ابراهيم جبريل  رئيس المراسم في القصر الجمهوري . وكان عنوانا للشياكة والاناقة . وكان منزله في نمرة اتنين يدهش الناس . كان عندة سجاير يصنع خصيصا في اليونان واسمه نمبر ون . وكان ياتي في علب  الصفيح . او في صناديق خشبية . عندما كان نزيلا في سجن كوبر في ايام الدكتاتورية كان يبر السجناء السياسيين بالسجاير . وبعد ان ترك السجن ارسل صندوقا للسجناء . قال لي الدكتور محمد محجوب عثمان انهم بعد تذوق سجاير العم ابراهيم جبريل مسخ لهم البينسون . العم ابراهيم جبريل كان من اقطاب الاتحادي . وفي ايام الانتخابات كان يصطحب ابنه سعد رحمة الله عليه ليقدم السجاير وهو يحمل ولاعة فاخرة .
الاخوة المسيحيون كانوا يقدمون السجاير في مآتمهم . وكان المدخنون يستمتعون ويطيلون الجلوس  . احد اخوتنا من اصحاب الكيف كان يقول لو ما الخجل كان الواحد خت السجارة في جيبو ولف بيها بعدين . اخونا ,, س ,, اظرف ظرفاء امدرمان توقف علي عجل وطلب دفتر من صاحب الدكان . فاعطاة صاحب الدكان  كراس . فطلب قلما وعندما امسك بالقلم قال …. ممكن تديني املاء بعد كدة . وهو الذي قال لاحد سياسينا  وزعيم طائفي عندما اكثر الكلام عن الدين . ,, ياسيدي الدفتر بقي اغلي من جزء عما . والدفتر  ما بتلقي وجزء عما مافي زول بيشتريه .
,, ق ,, .  المكوجي في الموردة اتاه صبي وقدم له دفتر لف امام جمع من الناس قائلا ده وقع منك ياعمي . فقال له اسي لو دي طرادة ومرسوم فيها عمك شايل المكوه كنت حتجيبها لي ؟؟ الدفتر او ورق البرنسيس  كان بتعريفة . والبعض كان يشترية البعض لنظافة النظارة  . وفي الشمالية كانوا يزرعون التبغ المعروف بالقامشه ويلفونه سجائر بورق الدفتر .
الشيخ ارباب العقائد اشتهر خارج السودان باشادة الازهر به لكتاباته عن تحريم التبغ . ومسجده كان مكان مسجد فاروق الحالي . وكانت له كلمة مسموعة عند سلاطين سنار . ولقد حرم الدخان في المهدية . وكان يسجن ويجلد من يتعاطاه . وكان الجهادية يحضرون الدخان معهم ويضعونه في بضاعة التجار او المسكن ويبتذون الناس . وهذا ما يحدث الآن بطرق اخري . والتمباك والسجاير محرم دخولهما الجزبرة ابا . وقديما قبل دخول البصات او اللواري توضع الحقق والسجاير خارج الجاسر ويحرسها المساعد .
الشاعر الحاردلو كان مدخنا ويظهر انه عاني من الحرمان في ايام المهدية . وعندما دخل الانجليز ضنقلا . قال 
يا خليفة المهدي يا ود ام كنفوس
وكتين جونا النصارا اكان در سجارة واكان در كدوس  .
الروثمانس سبق البنسون . وهذا هم التبغ الروديسي الذي يعتبراجود تبغ . ولكن بعد استقلال زمبابوي لم يحافظوا علي المستوي الجيد . ولا يزال البنسون هو شعار السودانيين .
في نهاية  حكم نميري  وبسب قراراته الرعناء منع استيراد السجاير فيما حدي  سلكات وسوفرين  وجعلها حكرا علي صديقة الزبير رجب . ولم يفكر في جيوش الموظفيت واصحاب الشركات واستثماراتهم . وكان الناس في امدرمان يحذرون من تدخين سوفرين لان الورق مشمع او بلاستيك . ولقد اكتشف هذا الامر ناس البنقو . فعندما كانو يلحسون السجارة لقطع الورق وفتفتها قبل لفها من جديد . اكتفوا ان الورق لا يبتل .
وسمح لسجاير برنجي لانه صناعة محلية . ولكن الحقيقة ان حجار يستورد التبغ بالطائرات من زمبابوي . ويقومون بتعبئته في السودان . وحجار كان وكيل بوستة في الجنوب . وتصادف ان احد المفتشين البريطانيين انشسأ مزرعة للبن والشاي والتبغ . وحكم بالطرد  . وبيعت المزرعة لانه استغل عمل المساجين . واشتري حجار المزرعة  بخمسين جنيها .
التبغ والفول السوداني والبطاطس والطماطم والذرة الشامية والديك الرومي والمطاط كلها لم تكن موجودة من قبل . ولكن اتت من امريكا .والهنود الحمر هم من بدأ بالتدخين وكانوا يضعون الجزء المشتعل داخل الفم . ويسحبون النفس .
في جنوب السودان يعتبر التبغ كنقد وقد يكون من مهر العروس . ويكون في كتل اقرب الي بعر الفيل . واكثر من يهتمون بالتدخين هم الشلك . ولهم غليون طوله  حوالي نصف متر او اكثر . والقاعدة من الفخار في شكل ثور وله عود طويل مجوف ومغطي بالجلد وينتهي ببخسة صغيرة من القرع اقل من قبضة اليد يغطي نصفها الجلد الذي يلصقها مع انبوب الكدوس الطويل . ويترك الجزء الاخير عاريا للشفاة. ويزين الكدوس بالسكسك والحلي . وقد يصل سعره لسعر حمل . وهو قطعة فنية . ويقدم الكدوس للضيف ويتوسط حلقات النقاش او الونسة . وهنالك الكدوس الصغير وهو منتشر في كل الجنوب . وتدخنه حتي النساء العجايز .
جدتي رحمة الله عليها كانت تعطيني شلنا . وتطلب كل يوم خمسة سجارات . وتبقي تعريفة . وتقول لي …. وجيب الحلاوه البتخلي الموية صاقتة. وتقصد حلاوة نعناع . التي تنتجها مصانع سعد في شكل اقراص كبيرة بيضاء . وتعطيني واحدة منها . وكان الخمسة بتعريفة ، حتي في الستينات. وفي احد الايام اعطيتها اربعة اقراص . وسألتني اذا اخدت نصيبي . وانزعجت عندما عرفت ان اليماني قد رفع السعر . وكانت الحلاوة مع القهوة والسجارة هي منتهي الكيف بالنسبة لها . والنساء عادة عندما تتقدم بهن السن يتجهن الي التدخين وشراب القهوة . 
لفترة قصيرة ظهر سجاير في نهاية الخمسينات اسمه ماتينيه . كانت دعايته تظهر صور الفنان ابو داؤود . ولم يكن الناس يعرفون اسمه بل يقولون اديني سجاير ابو داؤود .
الجنود الامريكان كانوا يزودون بسجاير لكي استرايك  . والجنود الذين عملوا في قاعدة وادي سيدنا ومنهم ماكنمارا وزير الدفاع الامريكي فيما بعد كانوا يهدون هذا السجايرلاصدقائهم السودانيين . وبما ان السجاير مصدر دخل لكل الدول بسبب ضرائبها الباهظة فأن تهريب السجاير كان دائما مربحا للمهربين  . والبليونير اوناسس الذي تزوج جاكلين كندي ارملة الرئيس كندي ، كون بداية ثروته من تهريب السجاير في تركيا .
الترويج لانها تحارب التدخين ، فان سعر العلبه يصل الي 15 دولارا . وفي السويد تساوي 10 دولارات . وفي اوربا تدخن الفتيات اكثر من الرجال . ويعزي هذ الان التدخين يعطيهن شعورا بالشفتنة. او لاراحة الاعصاب وعدم اظهار الاضطراب بسب النظرات. وان لم اري اسكندنافيات يبحلق في فتاة .
من اكبر الشركات في العالم وقد  يقارب دخلها الترليون دولار هي شركة فيليب مورس ومن منتجاتها سجاير ماربورو وسفن اب وبلاوي . 
كركاسة …. بما ان الدوله تدخل فلوسا مهولة من الفلوس من  التبغ , هل هذا مضمن ولا مجنب في حكومة الانقاذ . انا لست بمدخن بس عاوز اعرف . ولا شنو .
shawgibadri@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً