وما آفَةُ الأَخبار إلا رُواتُها .. بقلم: إمام محمد إمام
8 نوفمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
22 زيارة
لما كنتُ حريصاً على الإلمام الكامل بقرار وزارة الصحة في ولاية الخرطوم، المتعلق بالاستثناء الصادر عنها حول إلزامية المسافة القانونية ما بين صيدلية وأخرى، بألاّ تقل عن مائة متر، كان عليَّ أن ألم إلماماً تاماً بتفاصيل هذا القرار من مصادره في رئاسة الوزارة، تبياناً صادقاً عن أهداف ومقاصد الاستثناء، وتأكيداً على أهمية العدالة في التصديقات بهذه الصيدليات، وفقاً للمعايير والشرائط المطلوبة، ومحاولة الفهم الكامل لأسباب ومُسببات الاستثناء لهذه الشرائط والأشراط.
وأحسبُ أنه من الضروري أن نُبسط القول حول قرار وزارة الصحة في ولاية الخرطوم المتعلق بالتصديقِ للمنشآت الصحية والطبية، من مستشفيات ومستوصفات ومراكز علاجية وصيدليات.. إلخ، إذ أن القرار المعمول به يتطلب أن تكون المسافة بين المنشأة الطبية والأخرى، بما فيها الصيدليات، لا تقل عن خمسمائة متر على الجهات الجغرافية الأربع. وعلمتُ أن الهدف من هذا القرار مُعالجة أوضاعٍ كانت في حاجةٍ ماسةٍ إلى مراجعةٍ وتصحيحٍ، من حيث أن العيادات الطبية كانت تقوم بالقرب من المستشفيات، لتيسير أمر تحويل المريض من العيادة إلى المستشفى، إذ أن بعض المستشفيات لم يكن بها أقسام طوارئ، فيضطر المريض للذهاب إلى العيادة، ومن ثم يتم تحويله إلى المستشفى لملازمة سرير المرض، وإجراء بعض الفحوصات والأشعة التي لم تكن وقت ذاك متوفرة بالعيادات الخاصة. فحدث تضارب مصالحٍ بين الخاص والعام. فكان رقاد المرضى في المستشفى مرتبطاً بذهاب المريض إلى العيادات الخاصة، فاستغل ضعاف النفوس الذين يعملون في العيادات الخاصة والمستشفيات العامة معاً، هذا الوضع الغريب للاستفادة من استخدام أجهزة المستشفيات. كما أن الفنيين الذين يعملون في العيادات الخاصة والمستشفيات العامة أكثرهم يُغلِّب الخاص على العام لأنه يعمل في الاثنين، ويكسب مادياً في العيادات الخاصة أكثر مما يكسبه في المستشفيات العامة.
وحريٌ بنا أن نذكر أن المستشفيات الخاصة بدأت تتكاثر بدءاً من عامي 1994 ـ 1995، فحدث هذا الهرج والمرج، مما دفع الجهات المختصة لوضع قرارٍ ينص أو يلزم منح التصديقات لأي منشأة طبية على مسافة خمسمائة مترٍ كحدٍ أدنى من أي منشأةٍ قائمة، وألزم القرار في الوقت نفسه، بأن تكون المسافة بين الصيدلية والأخرى مائة مترٍ أو أكثر. أما الاستثناء الذي اختلط على البعض فهمه، المقصود منه الصيدليات التي تقع على شوارع رئيسية تُهدد سلامة حياة المريض نفسه، إذا أراد أن يعبر من عيادة أو مستشفى إلى صيدلية تقع في الطرف الآخر من الشارع. ولما كانت شوارع السودان تخلو من ممرات عبور المشاة التي تنظمها إشارات المرور، مثلما هو في كثير من بلدان العالم المتقدم وغير المتقدم، كان من الضروري إنزال فقه “دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة”، في ما يتعلق بشرط مسافة المائة متر بين الصيدلية والأخرى.
أخلصُ إلى أن كثيراً من الذين لم يتفهموا أهداف هذا القرار ومقاصده في الحفاظ على سلامة حياة المريض، التي تهم المرافق الطبية، وهو يركض بحثاً عن الدواء متخطياً بعض الشوارع المزدحمة بالسيارات، مما يعرض حياته إلى الخطر قبل أن يحصل على الدواء الذي يبحث عنه بين صيدلية وأخرى.
وظن بعضهم ـ وإن بعض الظنِّ إثمٌ ـ أن هذا الاستثناء صدر عن وزارة الصحة بولاية الخرطوم لمصلحة مستشفى الزيتونة التخصصي، خاب ظنهم لأن هذا المستشفى وغيره من المستشفيات التي حوله لا ينطبق عليها هذا الاستثناء، لأن على جانبي شارع السيد عبد الرحمن وشارع المستشفى، صيدليات لا تجوِّز تطبيق هذا الاستثناء، بفهم عدم عبور المرضى للشوارع الكبيرة، كالتي عناها الاستثناء عند تطبيقه. ولكن بعض مصيبتنا في الوسائط الصحافية والإعلامية أننا لا نسبر غور قضية قبل الكتابة فيها أو التعليق عليها، والمؤلم أننا نتعاطاها بفقه “ولا تقربوا الصلاة..” ناسين أو متناسين أن فهم هذه الآية لا يكتمل إلا بتمامها وهو “وأنتم سُكارى”، وإن كانت هذه الآية بأكملها قد نُسخت بقوله تعالى:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”. ومن الضروري أيضاً البحث المُضني حول القضايا المرتبطة بحياة الناس وهمومهم، قبل الإدلاء بآراء تدخل في باب لات ساعة مندم.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: ” قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ”.
وقول الشاعر العربي الشريف الرضي:
وهم نقلوا عنّي الذي لم أَفُه به وما آفَةُ الأَخبار إلا رُواتُها