وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم، إنقلاب (4)

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم، إنقلاب (4)
طقوسية قحت “المجلس المركزي/تقدم /صمود ..الخ (1)
محمد عبد الخالق بكري
الإنتفاضة السودانية هي اللحظات الوحيدة التي تبلغ فيها المؤسسة السودانية – باحزابها ومنظماتها وقطاع نحيل من العسكريين، في معظم الاحوال الرتب الصغيرة والمتوسطة – قدر مهول من التعاون المؤسسي. وهي دائما الفرصة المبددة نحو ترتيبات مؤسسية جديدة عادلة. يدرك الفاعلون في المؤسسة السودانية بالتجربة والخطأ والصواب خلال الفعل المدني المتعجل، اثناء حكم الدكتوريات، والهبات المدنية المجهضة والعمل العسكري الطائش قبل أكتوبر 64 وقبل مارس/ابريل 1985 وقبل ديسمبر/ابريل 2018-2019 أن التعاون المؤسسي المحض هو السبيل الوحيد لإزاله الدكتاتور.
وبالفعل ينجحون، لكن للاسف دائما ما تكون لحظة الإنتفاضة لحظة إدراك ووعي خاطفة، سرعان ما تتلاشي بالطمع في السلطة والمكانة. بمجرد سقوط الدكتاتور تسيطر المؤسسة الطقوسية مرة اخرى، ويعيد الساسة المدنيون واحزابهم تقاليدها وقبضتها المحكمة: الشعور أن هنالك سلطة واقعة على قارعة الطريق في إنتظار من يلتقطها. ساسهب قليلا في شرح “المكانة” وأعنى هنا (ٍStatus) وليس بمعنى السطوة والنفوذ عندما اعالج طقوسية الحزب الشيوعي السوداني في حلقة قادمة. اما هذه الحلقة فهي مكرسة لشرح طقوسية تحالف الحرية والتغيير “المجلس المركزي”/تقدم/صمود.
فقط اقرأ معي هذا الخبر المنشور يوم 29 سبتمبر 2025: “أكد القيادي في تحالف “صمود” وعضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان أن أي حل للأزمة السودانية الراهنة يتطلب العودة إلى الوضع السياسي والأمني الذي سبق انقلاب أكتوبر 2021، بما في ذلك تحالف القوات المسلحة والدعم السريع، الذي كان قائماً آنذاك لمواجهة ما وصفه بـ”مشروع الإسلاميين.”
بعد كل هذه المقتلة؟
بعد كل هذه المجازر، والجوع والنزوح والاغتصاب والاقتلاع من الجذور والقاع الصفصف، السيد محمد الفكي سليمان لا يريد شيء غير العودة الى تحالفه مع البرهان وحميدتي!!!
دا كلام شنو دا؟؟؟ لا اسئلة، لماذا حدث ما حدث؟ ما هي جذور (الأزمة السودانية الراهنة) على حد تعبيره؟ كل الارواح التي مضت من مدنيين وعسكريين يجب أن ننساها ونعود (زي ما كنا) ولا نسأل الدعم السريع والقوات المسلحة عن اي شيء؟ فقط تأمل عبارة “الوضع السياسي والأمني الذي سبق انقلاب أكتوبر 2021″، كأن سيادته، عضو مجلس السيادة، يقول فقط دعونا نحكم معكم ولا داعي لاي مفاجأة جديدة مثل إنقلاب أكتوبر 2021. هذه بالضبط ما يعنيه تلاميذ المؤسسة من اكاديميين – خاصة من كتبوا حول المؤسسة الطقوسية الآفلة التي جوهرها لهاث محموم خلف السلطة والمكانة. اما الحديث عما وصفه ب”مشروع الاسلاميين” فهو قناع مثلما ذكرت حول أقنعة الطقوسية في الحلقات الماضية. أزمة المؤسسة السودانية لم تبدأ بمشروع الأسلاميين، بل بدأت بعلمانيين منذ اتفاقية الحكم الذاتي وصراعات مؤتمر الخرجين، وإن عجل الاسلاميين بنهاية المؤسسة السياسية السودانية على ابشع وجه، لم يتنبأ بانحدارهم نحو تحطيم المؤسسة السودانية اي مؤرخ غير الشهيد محمود محمد طه.
بإختصار، السيد محمد سليمان الفكي لا يهمه الا أن يحكم في ظل الازمة السودانية الراهنة دون أن يسأل اي اسئلة اخرى ودون اي ضمانات لعدم تكرار ما حدث في درب الآلام هذا. رحم الله عبد الله بولا في حديثه عن نسب شجرة الغول، وغفر الله لي في خلافاتي معه حول سؤال الهوية وشعراء مدرسة الغابة والصحراء والمناطق الرمادية.
قبل أن اختم هذه الحلقة القصيرة، اود أن اشير لقناع آخر من اقنعة قحت المجلس المركزي عبر عنه القيادي خالد عمر يوسف، الشهير بخالد السلك. عندما كان السيد خالد يحاول أن يروج لاتفاق جديد مع ال (Status quo) – الوضع الراهن – وسلطة قوامها قحت المركزي والدعم السريع والبرهان، قال لثوار ديسمبر الذين كانوا يهتفون بحل الدعم السريع، قال ” الدعم السريع عندو 100 الف بندقية، والدعم السريع حق حميدتي واخوه.. اها نحلو كيف؟” هذا منطق ملتوي لشخص فقط يريد أن يشارك في السلطة باي طريقة ويضع المبررات والاقنعة. دعنى اسألك يا خالد السلك: كم بندقية كانت تحت تصرف عمر البشير قبل السقوط؟ بل كم دبابة؟ بل كم طائرة ميج -29، سو-27، انتونوف 24 و 26 و12…الخ. وكتائب الظل التي عبر عنها نائبه في آخر ظهور تلفزيوني له في محاولة لاخافة قادة الانتفاضة ومن ضمنهم انت؟ رغم ذلك سقط البشير بجهدك انت شخصيا ورفاقك في تحالف الحرية والتغيير الاولاني . ولا اغمطك حقك. لماذا لا ننتكل على قوة الجماهير وشباب السودان وقد نصبت الحاويات في الكباري اوان مفاوضات الاتفاق الإطاري، وقد فاقت في نظري ليلة المتاريس أوان انتفاضة اكتوبر 1964 التي غنى لها اجملنا من الشعراء.
الهوس بالسلطة هو آفة السياسين المدنيين السودانيين، مثلهم مثل العسكريين. اذا لم نتجرد من آفه الطموح المجاني نحو السلطة والمكانة لن نتمكن من إنقاذ مؤسسة آفله انهكتها الصراعات نحو السلطة.
شيء اخير اود أن اقوله للابن خالد عمر يوسف. إنني لست على عداء معك، رغم نقدي القاسي. وقد أعجبني تحليك الاخير قبل ايام قليلة من اندلاع صراع الانقلاب بين البرهان وحميدتي والاقتراب من وهم التوقيع على الاتفاق الاطاري. كتبت انت يا خالد على وجه التحديد الآتي: “بجانب هذه الفرص يواجه الاتفاق ايضاً مهددات لا يمكن اغفالها، أهم هذه المهددات هو تباين اراء بعض مكونات قوى الثورة حول الاتفاق، والتي في غالبها لا ترى أن الإشكال الجوهري في نصوصه بل في امكانية تطبيقها على ضوء التجربة السابقة مع الطرف العسكري، إلى جانب ذلك تطرح قطاعات واسعة من قوى الثورة تحفظات مصدرها المخاوف من اسقاط قضية العدالة والمحاسبة.” الى أن نلتقى في حلقة قادمة يا خالد اتمنى أن تفكر في كتاباتك السابقة فقد بدأت لي حصيفة، وفقط تأمل قول عضو مجلس السيادة، محمد الفكي سليمان المعروض اعلاه، وفوق ذلك تأمل كلامك الضمني حول ضرورة توحد مكونات قوى الثورة.

mbakri9@gmail.com

عن محمد عبد الخالق بكري

شاهد أيضاً

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم، إنقلاب… (5)

طقوسية قحت “المجلس المركزي/تقدم /صمود ..الخ (2)محمد عبد الخالق بكري سأواصل في هذه الحلقة الحديث …