وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم، إنقلاب… (6)
سقوط الحزب الشيوعي السوداني في الطقوس والطقوسية
محمد عبد الخالق بكري
الحزب الشيوعي مدرسة رائدة في الوطنية السودانية، بل مدرسة في التكتيك السياسي وتجميع حركة الجماهير السودانية، وقد استفادت من خبرته التنظيمية معظم الحركات المدنية السودانية، يسارها ويمينها. ولكنه مثله مثل غيره من منظمات المؤسسة السودانية وقع في براثن الطقوس والطقوسية، إذ أنه جسد اجتماعي يتأثر ويؤثر في محيطه، ولا يمكن أن يفلت فعله وافكاره وممارسته من إسار مؤسسة هو على وجه التحديد ساهم مثله مثل غيره من الأحزاب والكيانات المدنية في تشكيلها وصياغة تقاليدها ومصيرها. بل ربما فعاليته الطاغية والتي لا يمكن نكرانها – في بعض الفترات من تاريخه – اسرعت بسقوطه في حبائل الطقوس الطقوسية.
كتبت في نوفمبر 2024: “ما حدث للحزب الشيوعي السوداني في تحوله الى حزب طقوسي لم يحدث بين يوم وليلة. ويجب ان نضع في الاعتبار أنه منظمة في هذا المجتمع وما يدور بين جدار هذا المجتمع يخترق جداره شاء أم أبى. بكلمة أخرى هو أيضا مشاركا في تأسيس هذه المؤسسة الطقوسية وهو نفسه ضحية لها. ويجب أن ندرك أن الطقوسية التي نتحدث عنها هنا ليست وقفة فجائية في محراب او مذبح معبد او باحة كنيسة إنما عملية طويلة ومعقدة وتحدث في خضم التعامل بين مكونات المجتمع. بعد أحداث انقلاب 19 يوليو 1971 دشن الحزب وجوده في المؤسسة الطقوسية، بل خاض فيها، سواء كان المسؤول عن الانقلاب هو ضباط الجيش الشيوعيين او لجنته المركزية. ما ترتب على الانقلاب، الذي هو في حد ذاته كان في أطار السباق الطقوسي نحو السلطة والثروة والمكانة الاجتماعية – وهو جوهر الطقوسية – زلق اقدام الحزب أكثر في ارض الطقوسية الزلقة. (يجب التنبيه هنا الى ان نقد الحزب الشيوعي لنفسه ورفضه للانقلاب العسكري فيما بعد، رغم أهميته، إلا أنه لا يغير من سيرورة المؤسسة وانحدارها). صار قادته كفرسان قبيلة هاربة مع الهجمة الأمنية الشرسة عليه من قبل اجهزة أمن نظام مايو. فرض عليهم الاختفاء تحت الأرض كما جرت العبارة وصار الحفاظ على جسد الحزب/القبيلة وتجميع اوصاله هم القيادة والعضوية الأول.
هذا غير السجون التي اكتظت بعضوية الحزب والمسغبة بعد الفصل من العمل وقطع الأرزاق ومع ذلك الرفض العنيد لسنوات للاغتراب مع الفورة النفطية في السعودية ودول الخليج في النصف الأول من السبعينات. في ظل هذا الظرف، يصير الاجتماع الحزبي في حد ذاته طقس وفعل فروسية رغم أنف أمن النظام بدلا أن يكون اجندة عمل في الحي او مجال العمل. الصلابة والشجاعة معيار الانتماء لهذه المنظمة من قبل النساء والرجال في تلك الفترة. هذا لا يقلل من مقاومة الحزب لجردات نظام مايو ضد الحريات واستقلال النقابات على وجه الخصوص، بل مساهمته في مد الجسور مع أحزاب المعارضة السودانية، بل وعمليات التنوير التي قام بها عضويته من اقتصاديين وكتاب وشعراء وفنانين ومبدعين لكن الطقوسية كالداء العضال يدب في أوصال الجسد الاجتماعي دون أن يشعر به. لك أن تضع في الاعتبار خمسة عشر عاما قاتمة تلتها فترة ديمقراطية خاطفة، ثم بيوت اشباح وتعذيب واغتيال.. الخ ولك أن تلاحظ أنه قد ظلت مهام تحسين والارتقاء بالعمل القيادي وجعل فرع الحزب القائد في مجاله تتكرر دون طائل منذ دورات اللجنة المركزية منذ خمسينات القرن الماضي. هذا ليس لعيب في الرجال او النساء الذين حدث أن عاشوا في تلك الحقبة. هذا فعل المؤسسة الطقوسية عندما تمسك بتلابيب أي مؤسسة وأنظمتها الاجتماعية أي كانت، أحزاب او منظمات أخرى”.
الخطأ التاريخي الذي وقع فيه الحزب الشيوعي بعد انتفاضة ديسمبر 2018 كان محاولته المتعجلة في مايو 2020 للسيطرة على قيادة تجمع المهنيين – نوارة الانتفاضة، بل قائدها والمحرك لوحدة المعارضة. قام الحزب وحلفائه بارتجال انتخابات لمجلس التجمع لم تُرض نتيجتها بعض أطرافه مما أدى لانقسامه. شعرت تلك الأطراف بالغش والتدليس في إجراء تلك الانتخابات لشبهة تدبيرها من قبل الشيوعيين وتكتلهم ورفضت نتيجتها فأصبح لدينا تجمعين للمهنيين مما أضعف قوى الانتفاضة لأبعد حد. مهما كانت النتيجة لهذه الانتخابات في تصور الشيوعيين الذين سعوا لها بظلف وناب: 11 تنظيم نقابي في صالحهم ضد 6 او اربعة تنظيمات وتنظيم واحد محايد او تنظمين، فهذه خسارة كبرى في عرف النقابيين من الشيوعيين في الماضي. فقد حرص الشيوعيون تاريخيا على وحدة المنظمات النقابية.
لا أحد يدري ماذا كان يدور في خلد هؤلاء النقابيين الشيوعيين. او بالأحرى قيادة الحزب الشيوعي ككل التي أجازت تلك الخطوة الطائشة. ذلك أن تلك المنظمة – تجمع المهنيين – قد قامت في المقام الأول على التوافق والاتفاق قبل كل شيء. بل حتى الأجسام التي قامت بتأسيسها ليست منتخبة. كان الواجب الأول هو إعادة تأسيس النقابات والتركيز عليه بدل الانشغال بالسيطرة على جسد شبه نقابي أفرزته ظروف محددة من خلال انتخابات طقوسية.
فقط تأمل مدى تناقض ذلك مع تقاليد النقابيين الشيوعيين السودانيين وتاريخهم. حتى في انتخابات فرعيات نقابة عمال السكة الحديد، عندما كان الشيوعيون يتمتعون بأغلبية ساحقة في بعض الورش مثل ورشة المرمة وورشة الديزل وكل الورش التي معظم قوامها من خريجي المدارس الصناعية، حرصوا أن يصوتوا في قوائمهم الانتخابية لعمال اتحاديين وختمية وحزب امة وأنصار ووجهوا عضويتهم بالتصويت لهم. فعلوا ذلك حفاظا على تنوع وتمثيل النقابة للجميع (هذا موثق ومكتوب في كتابات عبد الله الحاج القطي وحواراته مع العم المرحوم إبراهيم سعيد والنقابي العجوز). أين ذهب هذا التقليد ولماذا السعي نحو العزلة؟ قارن ذلك بالمجهود المضني والصبور الذي بذله المرحوم د. عبد الوهاب سنادة في تجميع وتأسيس اتحاد المهنيين والفنيين بعد انتفاضة 1985 واتصاله بكل التيارات وتقديمه لتنازلات لا تحسب بحساب الربح والخسارة لشيوعيين، بل فقط الربح للحركة النقابية السودانية. لا تفسير لدي غير السقوط في حبائل المؤسسة الطقوسية: السباق والسعي نحو المكانة والسطوة.
يقترن ذلك بإعلان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي انسحابه المتعجل من قوى الحرية والتغيير في 7 نوفمبر 2020 و(لبانة) الهبوط الناعم وعدم الصبر على الحلفاء والأمل الكاذب في تحالف التغيير الجذري الذي لم يتجاوز في تكوينه (من دقنو وافتل ليهو). لا أمل حتى في جماهير هؤلاء الحلفاء؟ بل الإسراع في بناء حوائط العزلة بأقذع الاتهامات حول (عناصر من الحرية والتغيير تعقد الاتفاقات السرية والمشبوهة داخل وخارج البلاد )، كما جاء في بيان الإنسحاب!!! دا كلام شنو دا؟؟؟ .
قارن ذلك بموقف الحزب الشيوعي من مما عرف بالمصالحة الوطنية عام 1977 والتي كانت أكبر بكثير عند مقارنتها بالهبوط الناعم. أبدع الحزب حين ذاك رغم نقده الصريح والواضح للمصالحة الوطنية حينها وأصدر أجمل وثائق الحركة السياسية السودانية من حيث الحرص على وحدة الجماهير، بل عبر عن الأمل فيما هو قادم وفي الحلفاء المحتملين وجماهيرهم رغم قتامة اللحظة التاريخية. كان ذلك فيما عرف في أدبه السياسي (الديمقراطية مفتاح الحل: جبهة عريضة للديمقراطية وإنقاذ الوطن) ولقد تلقفت نفس أحزاب المصالحة بعد ثماني سنوات مضمون الوثيقة وتبنتها. كتب الحزب في تقييمه للمصالحة الوطنية في الوثيقة المذكورة: “لقد حقق شعبنا انتصارا في نضاله من أجل الحقوق الأساسية والحريات الديمقراطية تحت ظل الدكتاتورية العسكرية وحكم الفرد الاستبدادي. وإذا كنا لا نهول من حجم هذا الانتصار ولا نغفل الأخطار المحدقة به، فأننا ندعو لعدم التقليل منه من مواقع العزلة والذاتية، بحجة أنه نتيجة لصفقة بين يمين حاكم ويمين معارض…” لاحظ “أننا لا ندعو لعدم التقليل عنه من مواقع العزلة والذاتية ” لاحظ لغة الأمل والعشم في نفس الأحزاب وجماهيرها في لحظة انحسار لمد الحركة الجماهيرية – على حد تعبير الاخوة الشيوعيين – وقارنه ببيان الانسحاب من تحالف عريض في ظل ارتفاع للمد الجماهيري. هل هو الوقوع في قبضة اليسار الطفولي؟ هل اليسار الطفولي عبارة عن وجه وجوه الطقوسية؟ تستطرد الوثيقة لتقول: “الحزب الشيوعي واثق أن جماهير شعبنا ستدرك سريعا أن نضالها وتضحياتها كانت وما زالت هي المعول الذي ازاح ركام التضليل …. وان نضالها هو الذي احدث الشرخ في الجدار السميك الذي بدا متماسكا منيع …”
رغم المصالحة واصل المرحوم محمد إبراهيم نقد اتصالاته ولقاءاته – تحت جنح الاختفاء القسري – في قلب الخرطوم وضواحيها مع قادة أحزاب المصالحة بما في ذلك أبناء السيد علي الميرغني والحاج مضوي، رحمه الله، والمرحوم امين مكي مدني من المستقلين وغيرهم. وحرص المرحوم عز الدين علي عامر على مد الجسور في منفاه مع الشريف الهندي وغيره من القادة في الخارج ولم يغلق الباب قط في وجه تحالف او حليف.
تفسيري للنقلة المؤسفة في ممارسة الحزب الشيوعي بين وثيقة (الديمقراطية مفتاح الحل ..) وبيان الانسحاب في 7 نوفمبر 2020 أن المؤسسة الطقوسية تزحف رويدا رويدا ولا تأتي على نحو مباغت، ولكن دائما هنالك وعي ما بزحفها ومقاومة لها، وسيادة لصوت العقل والرغبة الصادقة في تأسيس مؤسسة عادلة رغم اختلاف الافكار، وهذا ما حرص عليه القادة التاريخيين للحزب الشيوعي السوداني.
ثلاثون عام من طقوسية نظام البشير وحكم الفرد كفيلة بأن تدمر نخاع المؤسسة ككل وكفيلة أن يسود السلوك الطقوسي كل تنظيمات المجتمع يمينه ويساره. فقط انظر لتجربة المرحوم الدكتور حسن عبد الله الترابي عندما شعر أن دكتاتور صغير لم يكن أكثر من ضابط مغمور وضعه هو على سدة الحكم، قام بتحويل كل افكار الدكتور وتدبيره المحكم نحو دولة ظنها ستكون إسلامية إلى طقوس. بل تضمنت طقوس سودانية مثل ((الدلوكة)) و ((العرضة)) نهاية كل خطبة او لقاء جماهيري.
mbakri9@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم