الحل: سفر الخروج من المؤسسة الطقوسية (1)
محمد عبد الخالق بكري
إن المناداة الآن بوحدة القوى المدنية ووحدة قوى المعارضة او الكتلة التاريخية، او حتى التوقيع على ميثاق وطني لن يفيد في أي شيء، حتى لو توحدت الأحزاب والحركات المدنية عن بكرة أبيها عصر اليوم، لن يحدث شيء جديد. حتى إذا اجبر المجتمع الدولي أطراف الانقلاب على هدنة او تسوية، هذا لن يفيد. أقول هذا رغم احترامي وتقديري المخلص لحسن نية كُتابنا، بل تقديري لصحة بعض ما كتبوا. ولكن في نظري، على الحركة المدنية أن تجيب على عدة اسئلة أولا قبل تكرار الماضي: السؤال الأساسي هو على ماذا تتوحد الحركة المدنية؟
لماذا تمت هزيمة الحركة مدنية في الأساس؟ لماذا انتصر الانقلاب؟ اين تورط الساسة المدنيين في ارتكاب الاخطاء؟ ماذا يمكن أن يتغير في الممارسة السياسية بحيث يضمن استقرار مؤسسة ديمقراطية سودانية؟ لماذا تتكرر الأخطاء بعد كل انتفاضة؟ لماذا تتم هزيمة الانتفاضة كل مرة؟ وكأن الحركة المدنية السودانية تركب سفينة رايتها الهزيمة الدائمة.
لابد من فهم إن ما يحدث خلل بنيوي – لا يوجد شيء قدري اسمه الحلقة الشريرة – أننا نواجه ترتيبات مؤسسية وصلت إلى حد أزمة لا يمكن الخروج منها الا باجتراح ترتيبات مؤسسية جديدة. السباق نحو السلطة والثروة والمكانة – من جانب المدنيين والعسكريين على حد السواء حوّل المؤسسة السودانية الى مؤسسة طقوسية، وهي الآن في طور الانهيار.
الخروج من مؤسسة طقوسية مهمة عسيرة وحمل تاريخي ثقيل. ودائما ما تشير الكتابات الاكاديمية التي تتناول المؤسسات الى تحول الدول التي وقعت في براثن المؤسسة الطقوسية الى دول فاشلة والى تحولها الى مجتمعات ممزقة، بل تشير أحيانا الى اختفاء دول بأكملها من خارطة العالم.
رغم ذلك، أعتقد انه ربما يكون لدينا فرصة، وهنالك ما يدعو لبعض الأمل في الخروج من المؤسسة الطقوسية الى رحاب مؤسسة عادلة تراعي، بل تحفظ وتحمى في أفئدة السودانيين اولا، فوق قوة الدستور والقانون، حقوق القوميات والأعراق المختلفة في السودان، وحق الفرد في الحياة قبل كل شيء، وحرية العقيدة وحرية الاختلاف وبقية كل الحريات الجماعية والفردية، وتجد معادلة التوازن اللازمة بين دولة فيدرالية تحرص على وحدة السودانيين وأقاليم تسعى للحياة الكريمة لقاطنيها.
ما يدعو للأمل:
اولا، وجود حركة سياسية مدنية رغم حداثة سنها – قرابة المئة عام – إذا بدأنا الحساب منذ هبة 1924. وقد اكتنزت هذه الحركة خبرة ثرية في التعاون والتنسيق وعدة وأدوات في الكفاح وذاكرة لا يمكن أن يمسحها انقلاب مهما كان شكل اقنعته، حتى لو حاول التنكر في شكل حرب أهلية، وبعث أبشع الحزازيّات من ذاكرة سحيقة. وجود حركة مدنية، بكل فصائلها واختلافاتها، بما في ذلك اقسام كبيرة من الاسلاميين، رصيد لا يمكن الاستهانة به في بزوغ مؤسسة جديدة وعادلة إذا ما اتخذت الحركة المدنية مجتمعة الترتيبات اللازمة وفي الوقت المناسب.
ثانيا، أن روح (الجودية) والتسامح والتعايش السلمي والعمل المشترك، قيمة وتراث لا تخلو منه التجربة السودانية حتى في أخطر مناطق التماس بين القوميات المختلفة. ولعل في سيرة الأب بابو نمر والأب دينق مجوك مضرب مثل في التعاون المؤسسي بين دينكا نقوك والمسيرية. ولعل في سيرة الإمام الصديق المهدي والأستاذ عبد الخالق محجوب، رحمة الله عليهما، أبان مقاومة الدكتاتورية العسكرية الاولى مثل آخر عن إمكانية مد الجسور بين المكونات المختلفة في مجتمع بالغ التعقيد. المؤسسات لا تصدر منعزلة عن التاريخ، خيره وشره. عشرات التجارب في بناء مؤسسة عادلة خرجت من صلب المقاومة المجتمعية لأفظع الكوارث من حروب أهلية، وعنصرية وتفرقة وقتل وتقتيل، بل إبادة جماعية. ما أحاول قوله هنا أن إعادة بناء مؤسسة مبوءة مثل المؤسسة السودانية ليس بالأمر السهل وحمل ثقيل على الأجيال الراهنة.
ثالثا، وللمفارقة، الخطأ وتكرار الخطأ، والتجربة والخطأ، ثم تكرار الخطأ مرة اخرى، ثم العودة واكتشاف الطريق المسدود جراء عدم التعاون المؤسسي، وبناء الثقة المتبادلة نتيجة لذلك هو السبيل الوحيد لوضع ترتيبات مؤسسية مستقرة وبزوغ مؤسسة جديدة، وقد أخذنا نصيبا كافيا كسودانيين من هذا التمرين المؤسسي المرير وتجرعنا غصص عدم التعاون المؤسسي.
رابعا، أن شق المؤسسة الانقلابي، سمه ما شئت – الانقلاب العسكري او الاستيلاء على السلطة بالقوة او حتى الجيش او الدعم السريع – قد أفلس تماما في حفظ وصيانة أمن البلد والمواطن وزالت غشاوة الاستقرار المزعومة تحت سلطة الانقلاب العسكري او تحت سلطان القوة، سواء من قبل البرهان او حميدتي، وعلى المدنيين الآن أن يثبتوا قدرتهم على حكم أنفسهم وأن يأخذوا زمام المبادرة.
من أبجديات علم دراسة المؤسسة أن للمؤسسة شق غير رسمي وشق رسمي. الشق غير الرسمي هو ما استقر في أفئدة الناس وعقائدهم وأخلاقهم ومفاهيمهم وما سيقومون به من أفعال بناء على هذا الفؤاد والإيمان. الشق الرسمي هو نفس هذه العقائد والأخلاق والمفاهيم لكنها في شكل عقد مكتوب وملزم لجميع افراد المجتمع، بل يتضمن عقوبات صارمة للمخالفين والخارجين عن القانون حتى الذين خولهم المجتمع لممارسة العنف نيابة عن المجتمع لحفظ المؤسسة نفسها. الشق الرسمي، قل هو الدستور، او حتى الوثيقة الدستورية، او ال (Magna Carta) الوثيقة العظمي، يمكن مخالفته وكسره بالقوة ما لم يستقر الشق غير الرسمي في افئدة الناس وعقائدهم بصورة غالبة وراجحة في المجتمع. هذا لم يستقر بعد عندنا!
آفة مؤسستنا العظيمة منذ خروج المستعمر هي باختصار: الشعور ان هناك سلطة ملقاة على قارعة الطريق (حلال على كل من يلتقطها، سواء بالقوة المحضة او الحيلة)، وعندما تلوح هذه السلطة قريبة في متناول اليد – بحسب التصورات الذاتية – ينعدم التعاون المؤسسي في كل شيء من شأنه صيانة المؤسسة وزيادة قدرتها على التأقلم. ذلك يحدث لأن الشق غير الرسمي لا يزال خديج غير مكتمل وغير راسخ. كل المناداة بالقسمة العادلة للسلطة والثروة وحقوق القوميات والأعراق السودانية وحقوق الفرد والجماعة والتبادل السلمي للسلطة، كل ذلك موجود ومرفوع كشعارات، ولكنه لم يرسخ بالقدر اللازم لصيانة المؤسسة ومواجهة مشاكلها العويصة. لم يرسخ لتأصل الشعور بأن هنالك سلطة (هاملة) تنتظر من يلتقطها، وبالتالي زحفت الطقوسية والاقنعة لتسيطر على الممارسة السياسية.
ماذا حدث لمؤسستنا وكيف يمكن إصلاحه؟
ماذا حدث لنا؟ ماذا حدث لنا كسودانيين بلغة تلاميذ المؤسسية والمؤسسة؟
ما حدث يرتبط بعمليتين متزامنتين الأولى هي (Constellation) وهي الكوكبة او الانتظام في شكل محدد مثل كوكبة النجوم (الجدي، الجوزاء، الدب الأكبر)، حسب العرب. بالسوداني الفصيح هي الرصة (بنات نعش، الشولة، الثريا، الترعة). يستعمل تلاميذ المؤسسية هذا المصطلح عندما يتحدثون عن تضافر العوامل فيما يخص المؤسسة ككل وعلى وجه الأخص بزوغ مؤسسة جديدة او انهيار مؤسسة آفلة. وهذه العملية تتعلق بالتعاون المؤسسي/او عدم التعاون المؤسسي، وبالتالي بزوغ او انهيار مؤسسة ما. ويسمونه (Factor constellation).
في تقديري، يمكن ان يمتد هذا المفهوم الى الوحدات او المنظمات المكونة للمؤسسة السودانية نفسها وسلوكها نحو التعاون المؤسسي. تاريخيا لدينا في السودان، عندما تحدث وتكتمل الرصة في شكل تعاون مؤسسي بين الغالبية الساحقة من أحزاب الحركة المدنية، تتمكن في أعلى تجلياتها من إزاحة أعتى دكتاتورية وربما من هنا جاء التعبير الشعبي (اسياد الرصة والمنصة). ولكن سرعان ما تنهار الرصة كما حدث بعد أكتوبر 64 ومارس 1985 وديسمبر 2018. يتسبب النجاح في ازدهار الحركة المدنية وزيادة حيويتها، ولكن يترتب عليه أيضا ازدهار التصورات المغلوطة- نتيجة هذا الازدهار المؤقت – والاضطراب في التقديرات الذاتية وعدم الشفافية وتتناقص القدرة على العقلانية والفهم والتفهم التي هي لازمة لإعادة إنتاج التعاون المؤسسي. ويسود الطموح ليس في فقط في السيطرة على تطلعات الجماهير وسقفها، بل يمتد الى الطمع في السلطة الملقاة على قارعة الطريق.
هنا يدخل المفهوم الثاني ليقترن بالأول وهو (asymmetry) بمعنى عدم التوازان، بل الاختلال. ودائما ما يأتي مقترنا بالرصة، أي اختلال و(فرتقة الرصة) – asymmetry in constellation- من هنا ينهار التعاون المؤسسي ومن هنا تبدأ هزيمة أجمل أعمال الشعوب السودانية: الثورة على نظام ظالم. هذا حال مؤسستنا حتى الآن. هناك الكثير من الأمثلة التي لا يسع المجال لذكرها تفصيليا فيما يتعلق بما حدث بعد أكتوبر 64 ومارس/ابريل 85 وبعد الانتصار المؤقت لانتفاضة ديسمبر 18.
نفس المفهومان ينطبقان على تحالف الانقلابيين، ذلك لأنهم جزء من نفس المؤسسة، وهذا هو الوجه الآخر من عملة المؤسسة الطقوسية. ينطبقان، ولكن على نحو أكثر شراسة في حالة الانقلاب. نعم، أكثر شراسة لأن عاملا السلطة والثروة يفاقما مشكلة التعاون، ربما خاصة تحت دولة الكاسرة Predatory State.
حدث ذلك في تجربة الانقلابيين الاسلاميين أنفسهم قبل أن يدخل طرف آخر بينهم الى درجة خيانة الترابي من قبل تلاميذه. ثم حدث ذلك بعد تحالفهم مع حميدتي/الدعم السريع في عهد البشير، ثم حدث ذلك بعد تحالف البرهان/حميدتي. وسيحدث حتما في تحالف البرهان/الاسلاميين وحركات سلام جوبا وباقي المليشيات. ما يحدث ببساطة هو الوجه الآخر من عملة المؤسسة الطقوسية. يزداد عدم العدالة في تقسيم عوائد ازدهار التعاون بينهم – وفي هذه الحالة حدث الازدهار لمنة إلهية منحها الله لشعوب السودان مثل البترول والذهب وليس لحذق اقتصاد الانقلاب. يزداد عدم العدالة في توزيع العوائد ليس على مستوى الوطن ككل، بل بين الشركاء أنفسهم وتظهر مراكز متعددة في السلطة مسببا اختلالا إضافيا في الرصة. وفوق ذلك يزداد الغرق في الطقوس والاقنعة (حرب الكرامة/القضاء على دولة 56، الهامش المظلوم/عرب الشتات.. الخ) ومن ثم يصير التعاون استراتيجية قصيرة المدى وتتغير المواقع والحلفاء
بسرعة مريعة تقود الى الفوضي الى أن تغرق التحالفات في الدماء ويغرق معها الوطن.
لكل ذلك، لا يزال الأمل معلق في الحركة المدنية وحدها -رغم قصورها – في اجتراح ترتيبات مؤسسية جديدة وعادلة والخروج من اسار المؤسسة الطقوسية. اكرر أنني أقدر ايما تقدير الدعوات الكريمة لوحدة القوى المدنية، بل الدعوة الى التوافق على ميثاق وطني جامع، لكن هذا وحده لن يؤدي. لابد من كسر المؤسسة الطقوسية وبداية البناء لمؤسسة حقوقية عادلة وهذا موضوع الحلقة القادمة والأخيرة من هذه السلسلة إن شاء الله.
Mohamed Bakrimbakri9@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم