aibrahim@abdullahi4president.com
قلت في حديث صحفي للأستاذ إسماعيل آدم إن الانتخابات القادمة “حقيقة مذهلة”. ووجد فيها ضالة فأستعادها في كلمة له منذ أيام. واستوحيت في قولي ب”مذهولية” الانتخابات عبارة للقس جنوب الأفريقي ديسموند توتو الحائز على جائزة نوبل. فلما أدلى بصوته لأول مرة في انتخابات 1994 قال:”كأنني أقع في حب جديد”. فلم يكن مأذوناً للرجل القامة هذا أن يصوت في بلده حتى بلغ السبعين من عمره. فانتخابات جنوب أفريقيا كانت حكراً خالصاً للبيض. لقد جاءت سعادة التصويت للقس في الهَرَم فشبهها بحب من أول وجديد.
لم أبالغ حين قلت إن إنتخابات هذا العام حقيقة مذهلة. فأي شيء لا يذهل فيها ونحن نستردها بعد نحو ربع قرن من آخر انتخابات لنا وعشرين عاماً من حكم للأنقاذ جعلنا رعايا لا مواطنين. ولم ير زملائي في المعارضة للأسف حقيقة هذا الجمال ولا جمال هذه الحقيقة. خلافاً لذلك نظروا إليها كحقيقة قبيحة بل ككابوس مزعج. فهي عندهم صورة أخرى من مكر الإنقاذ تزيفها تزييفاً ل “تحليل” حكمهم.
لقد تربصت المعارضة بالانتخابات تريد قتلها في المهد. اعترضت على قيامها طالما بقيت مسألة دارفور بلا حل، ولم يٌنَقح التعداد السكاني الموصوف ب”المزور”، ولم تترسم حدود الشمال والجنوب، ولم تسبقها مراسيم التحول الديمقراطي. من ناحية إجرائية اعترضت المعارضة على تأجيلات غير دستورية لمواقيت الانتخابات قامت بها مفوضيتها. بل وصفت الحكومة نفسها بغير الشرعية بعد تاريخ ما بالنظر إلى حساب “لوغريثمات” دستوري معقد. ثم تابعت التربص بالانتخابات فقطعت ميعاداً لم يتحقق بعد لاجتماع المعارضين لتحديد موقف صارم من مقاطعة الانتخابات أو دخولها. واعترضت محقة على السجل الانتخابي وطلبت رميه في سلة المهملات. وخلال هذا اجتمعت أطراف المعارضة في جوبا واضطربت بين التنسيق للانتخابات وإسقاط الحكومة عنوة. وبينما تغط المعارضة في سلبيتها تجاه الانتخابات جاء ميقات الترشيح فرأيتم كيف تدافعوا إليها أعمى شايل مكسر. ومازالت عصاة مقاطعتهم مدفونة مع ذلك.
هناك زوايا عديدة للنظر إلى حقيقة الانتخابات المذهلة. ولعل من أطرف هذه الزوايا عندي قاطبة هو نزول مرشحين من الطاقم الانقاذي على كل المستويات الانتخابية يطلبون من الناس التصويت لهم. وهذا مروع من جماعة تعودت ألا تسأل غير نفسها حين تحتل مواقع الحكم. فالانتخابات في تعريف ساذج هي مجاعة للأصوات. وها نحن نرى أبناء الإنقاذ الأكرمين “يستجدونها” مثل سائر المرشحين. لقد تناهي مثلاً أن الفريق غوش التمس تأييد السيد المرغني له في دائرة ساد فيها الختمية قديما. وهذا بعض مجاعة الأصوات لم تكن لتخطر على بال الفريق في متاهته الإنقاذية.
كان السلطان يجري بين يديّ الإنقاذيين وصاروا “يشحدونه” الآن. وهذه حكمة من الرباطاب. كان منهم متنفذ في الحكومة المحلية لم يعنهم بشيء من مدرسة أو شفخانة. فنزل المعاش وترشح للبرلمان. ولما عرض نفسه على أهله قال حكيم منهم :”كانت المدارس والشفخانات خاضعة لتوقيعك في الوزارة ولم تفعل لنا شيئاً. وتريد الآن أن تدخل البرلمان لتشحدها شحدة: إن دائرتي محتاجة إلى كذا وكذا”.
لم تر المعارضة في الانتخابات الحقيقة المذهلة التي استرعت انتباهي منها. ولذا جاءت إلى ساحتها تجرجر أقدامها. ولا أعرف مشروعاً هزم الأحزاب وحده مثل انتخاباتنا المذهلة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم