“ياخ والله مشتاقين”… حكاية الحنين الذي لا يهدأ

محمد صالح محمد
يقولون إن المسافات تُقاس بالكيلومترات لكنهم أخطأوا؛ المسافة الحقيقية تُقاس بحجم الفراغ الذي يتركه خلفه إنسان كان بمثابة “الروح” للجسد حين تنظر إلى شاشة هاتفك وتمرر أصابعك فوق اسمٍ غاب صاحبه تنفجر من أعماقك تلك الجملة السودانية العفوية والموجعة “ياخ والله مشتاقين”.

غصة في حلق الوقت …
ليست مجرد كلمة هي اعتراف بالهزيمة أمام غيابك “ياخ والله مشتاقين” هي تلك الغصة التي ترفض أن تُبلع والدمعة التي تأبى أن تسقط فتتحجر في المآقي فهي صوت القهوة المرة التي لم نعد نتقاسمها والمقاعد الخالية التي باتت تسخر من وحدة قلبي.
في كل ركن ألمح طيفك في زحام الشوارع أبحث عن وجهك وفي صمت الليل أسترجع ضحكتك التي كانت ترمم انكساراتي.

“وجد والله فاقدك يا زولة”

يا زولة… يا من كنتِ الأمان في عز القلق والسند حين يميل العالم “وجد والله فاقدك”.
لقد تضاءل العالم من بعدك حتى صار بحجم ثقب إبرة. أفتقد تفاصيلك الصغيرة التي لم أكن ألقي لها بالاً:
طريقة نطقك لاسمي.
عتابك الرقيق الذي كان يملأ حياتي صخباً جميلاً.
حضوري الذي كان يكتمل بكِ وغيابي الذي يبدأ حين تبتعدين.
الحياة من دونك ليست مستحيلة لكنها باهتة بلا طعم ولا لون كأنني أعيش في مشهد سينمائي قديم أبيض وأسود والجميع يتحركون من حولي بينما أنا عالق في لحظة وداعك.

ضجيج الحنين …
الغربة ليست أن تسافر لبلد بعيد بل هي أن يسافر عنك من كان يمثل لك “الوطن” والآن الوطن مهجور والنوافذ مغلقة والريح تصفر في أروقة قلبي تناديكِ.
نحن لا نشتاق للأشخاص فقط بل نشتاق لأنفسنا التي كنا عليها معهم أنا أشتاق لـ “أنا” التي كنتُها بجانبك تلك النسخة السعيدة، المطمئنة، والمليئة بالحياة.

“كلما حاولت أن أعتاد غيابك خانتني الذاكرة وأحضرتك في منتصف دعائي وفي زحام أفكاري وفي كل ‘ياخ والله مشتاقين’ تخرج بمرارة من صدري.”

ويبقى الحنين جرحاً مفتوحاً …
في نهاية المطاف تظل عبارة “ياخ والله مشتاقين” هي الملاذ الأخير لقلبٍ أرهقه الكتمان فهي صرخة مكتومة في وجه الغياب ومحاولة يائسة لاسترجاع زمنٍ ولّى ولن يعود.

نحن لا نكتب لننسى بل نكتب لنثبت لهذا الفراغ أنكِ كنتِ هنا وأن أثركِ أعمق من أن يمحوه رحيل أو تطويه أيام.

يا زولة سيظل مكانكِ شاغراً ليس لأن العالم خلا من البشر بل لأن أحداً لا يملك قدرتكِ على ترميم روحي بكلمة.

سأبقى أرددها في صمتي وجهري و في حزني وفرحي الباهت حتى يجمعنا القدر أو يبرد هذا الحنين الذي يحرق الضلوع “وجد والله فاقدك… وفاقد الدنيا معاك”.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

على أطلال “قصر الشوق” عندما يغدو الهجران وطناً والوفاء صلاة

محمد صالح محمدفي عتمة المسافات التي تفصل بين جسدين وتجمع بين روحين تولد لغة لا …