للدكتور محمد نوري الأمين نظرية غاية في الطرافة الفكرية عن نشأة الحزب الشيوعي اذاعها في رسالته للدكتوراه التي نشرها منجمة في المجلات العلمية ومنها “دراسات الشرق الأوسط”. فهو يعتقد ان الحزب الشيوعي ابن شرعي لثورة 1924 لا في المعنى السياسي البسيط بل بمعنى ثقافي عميق.
يبدأ نوري بفشل الثورة. فحمَّل الثوار الاتحاديون مصر الوزر لامتناع جيشها في السودن مساندة الثورة. وأطرف ما في فكرة نوري أن الخلخلة السياسية التي بذرتها هذه “الخيانة” المصرية هي التي ساقت قطاعاً مؤثراً من صفوة وحدة وادي النيل في الثلاثينات إلى اعتناق الاشتراكية. ومن بيئة هذه العقيدة خرج علينا الحزب الشيوعي السوداني بعد الحرب العالمية الثانية.
أما الذي ساق هذه الصفوة المفجوعة في مصر إلى الاشتراكية فأمران. أولهما أن مصر لم تكن في عرف هذه الصفوة مجرد كيان سياسي مادي بل كانت إيدولجيا المن والسلوى. كانت مصر، في قول نوري، غوثاً روحياً لهم. فقد أغناهم تعلقهم الشفيف بها (أقرأ التجاني يوسف بشير والعباسي) عن التخبط في أكناف وحدة عربية قصية كما عوضتهم عن تبني قومية إسلامية سياسية بالنظر إلى كراهيتهم لمابدا لهم من تواطؤ رجال الدين مع الإنجليز.
وما أن أسقمت مصر الخذولة هؤلاء الاتحاديين حتى بدأوا تلمس طريقهم إلى خطة بديلة. فاستمسكوا باستقلال السودان وهجروا دعوة الوحدة. وهذا ما توصل إليه نائب الحاكم العام في الخرطوم في رسالة له في 1938. قال إن وجهة الحركة الوطنية ستتغير نتيجة لهزيمة حركة 1924. فسنجدها تسير في وجهة التطور السلمي بالتعاون مع الحكومة الإنجليزية وعلى خطة “السودان للسودانيين“.
واستهوت هذه الجماعة المفجوعة في مصر يسارية راديكالية وجدت أفضل تعبير لها في كتاب “كفاح جيل” لأحمد خير المحامي. وعيّن نوري مصادر هذه الجذرية. فبجانب خيبتهم في مصر بدأت هذه الصفوة الاتصال بالشيوعية العالمية في صورة منظمة الاتحاد المعادي للإمبريالية. ولم يكن لقاء صفوة السودان بذلك الاتحاد عملاً مدروساً. بل تصادف أن كان كل منهما يعمل لنفس الهدف. ولم يرتب للتعاون مع ذلك الاتحاد بسبق الاصرار سوى أحمد حسن مطر (صاحب كتاب سندباد سوداني) وباءت محاولته بالفشل.
أما المصدر الاشتراكي الذي نهلت منه الصفوة المفجوعة مراراً فقد كان إنجليزياً. فوجدت تلك الصفوة في مناخ العسف الذي تلا فشل الثورة أن تنتظم في حلقات مدارسة لتحافظ على معنوياتها الوطنية. ومن تلك الحلقات مدرسة أبي روف المعروفة التي مالت إلى أدب إنجلترا اليساري. فاشترك أفرادها في مجلة (النيوستيتسمان آند ذا نيشن) وأطلعوا على الاشتراكية الفابية الناشطة في أروقة حزب العمال البريطاني. وأصبح بعضهم أعضاء في نادي الكتاب اليساري البريطاني. وتسربت هذه الجذرية بصورة خاصة إلى حزب الاتحاديين.
وتطرق نوري لأثر هولاء الاتحاديين الراديكاليين على الحزب الشيوعي اللاحق. فقد أورثوه اتحاديتهم ورديكاليتهم معاً. كما أن نظرات الشيوعيين اللاحقة في طبقية الاستعمار والاستقلال الاقتصادي (لا مجرد استقلال العلم) ، ومنهجهم في مزج السيادة الوطنية بالديمقراطية، راجع إلى أحمد خير. ودليل نوري أن أستاذنا عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي (1949-1971) هو ثمرة مدرسة أبي روف لقرابته الوثيقة بزعيمي الأبروفيين، “أولاد الكد”. ولم يترك نوري فرضاً ناقصاً في بيان أثر أحمد خير (وهو ممن تاثر بمدرسة أبي روف) بالذات على الشيوعيين. وقرأ نوري كتابه “كفاح جيل” بصورة لم تخطر لي من قبل.
يا شيوعي السودان أقراوا نوري حيث ثقفتموه. الله لا أيدكم كما كان يقول أستاذنا.
.
(IbrahimA@missouri.edu)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم