بقلم عمر العمر
aloomar@gmail.com
العلاقات السودانية المصرية عبرت تضاريس متباينة على الصعيد الرسمي سلكت الدولتان عبرها الصعود والهبوط من سفوح الكُره إلى مرتفعات الحب . لكن الشعبين ظلا يرددان أهازيج أبناء وادي النيل . فإبان الاحتلال التركي الانجليزي مارست القاهرة القهر على السودانيين فبادلوها البغضاء . في الحقبة الناصرية وضحى الاستقلال غلبت المودة ، بل ربما الحب ،على العلاقات الثنائية الشعبية والرسمية . في عهد السادات -النميري تأرجحت المسيرة صعودا وهبوطا فتباينت المشاعر بين الرسمي والشعبي . تحالفُ النظامين لم يسفر عن اتساق على المستوى الشعبي . بل فرّخ جيوبا للكراهية في جنوب الوادي . في عهدي مبارك والبشير تسلق النظامان مسالك وعرة فيها كثير من العداء وغير قليل من الاعتداء .بعد إطاحة الانقاذ جنحت العلاقات إلى عدم الاتساق إذ ظلت تتأرجح بين الرضاء وعدم القبول على الصعيدين الرسمي والشعبي . بل لعلها بلغت حد التنافر إن لم تكن تدحرجت إلى مهاوٍ شعبية بعد الانقلاب على ثورة ديسمبر ثم انفجار الحرب الاهلية في السودان .
باستثناء مغامرة محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا ظلت الباع المصرية الأطول والأكثر ت حفراً في مجرى العلاقات الثنائية . استنادًا لإرث العلاقات فإن حركة التنوير والتأثير ظلت تتجه من الشمال إلى الجنوب. بمنطق التاريخ السياسي والجوار الجغرافي مصر ليست استثناءًا . فالدولة في موقع الشقيقه الكبرى تفرض دوما نفوذها أو هيمنتها على جارتها الصغرى . هذه العلاقة غير المتكافئة تتمظهر في حالا ت عديدة . ربما تتخذ طابع التدخل العسكري ؛كما في حالة سوريا ولبنان ، العراق والكويت السعودية واليمن ، روسيا واكرانيا ثم اسرائيل وسوريا حاليًا . القاهرة مارست دورًا مؤثرًا في تصنيع او تثبيت الأنظمة العسكرية في الخرطوم . بما في ذلك نظام الانقاذ . لكن عندما ارتكب حماقة أديس أباب لم تتردد في معاقبته بعنف أشد إيلاما إذ حركت قواتها فسيطرت على مثلث حلايب وشلاتين . نظام الانقاذ تجرّع الجزاء حفاظًا على البقاء .
الإرث التاريخي المشوب بكثير من التحفظ وغير قليل من الوعي أنقذ البلدين مرتين من تحويل حلايب إلى كشمير أخرى ؛ عظمة نزاع مسلح كما بين الهند وباكستان . أو تبادل العبور العسكري للحدود المشتركة كما حدث بين الكونغو الديمقراطية ورواندا. عنصرا التحفظ والوعي ساهما في إبقاء العديد من بؤر التباين والتنازع تحت خط (المسكوت عنه) في فضاءات السياسة والاقتصاد والاجتماع .لكن هذه البؤر لم تخمد تمامًا إذ ظلت تنشط على السطح في منعطفات متباعدة تحت ضغوط متباينة يغلب عليها السمت السياسي . لعل وراء أبرز هذه الضغوط حرص النظام المصري على ضبط العلاقات مع السودان داخل أنبوب التوافق مع السلطة في الخرطوم . هذا الهم السياسي لم يقابله استراتيجيا ماتم انجازه في حقلي التعليم والثقافة .رغم ان الحقلين شهدا بدايات ارساء مداميك العلاقات وتطورها .
على نقيض مقولة الزميلة أماني الطويل (مصر ليست مع طرف ضد آخر في حرب السودان) .فالقاهرة ظلت دوما منذ عشية الاستقلال تساند طرفا ضد طرف آخر في السودان . دورها النشط في دعم الاتحاديين في مواجهة الاستقلاليين لا يحتمل النقاش . اتفاقية الدفاع المشترك المثيرة المبعوثة من تحت النسيان محورها تحصين نظام جعفر نميري في الداخل . تسويق انقلاب الإنقاذ وراءه توتر القاهرة مع حكومة الصادق المهدي المنتخبة على صدى تباين في شأن أنصبة البلدين من مياه النيل .ثم التلويح الأخير طي خطوط حمراء بتفعيل الاتفاقية الملغاة غايته مساندة السلطة الانقلابية .
الطويل محقة في عدم وجود رغبة للجيش المصري في عبور الحدود جنوبًا .مصدر تلك الرغبة قناعات سياسية وعسكرية مصرية . الرغبة تتسق مع القناعات في التأكيد الثابت على حيوية السودان في استقرار ألأمن المصري . لكن القاهرة لجأت إلى التلويح بالخطوط الحمراء تجاوباً مع دأب البرهان في إدارة العلاقات الثنائية بثقافة اللجوء إلى الشقيقة الكبرى .هذه المرة ذهب البرهان إلى القاهرة مستغيثاً أكثر مما مضى .لذلك تعالت النبرة المصرية للطمأنة،ليس أكثر. ففي البيان المصري قناعات مشتركة بين غالبية السودانيين إن لم يكن جميعهم والمصريين كذلك .من تلك وحدة التراب و عدم المساس بسيادة ألدولة ورفض السطات المتوازية . عقدة العلاقات تكمن في تمسك الأنظمة المصرية المتعاقبة بدور الشقيقة الكبرى بينما لاتحاول الأنظمة السودانية كسر نمطها إلى الندية .هذه العقبة الكبرى على خارطة تضاريس العلاقات الثنائية. مع ذلك لا يزال العديد من السودانيين يرددون ما كتب الشاعر الماجد تاج السر الحسن في انشودته الأفروأسيوية وتغنى بها الفنان المبدع عبد الكريم الكابلي في حضرة عبد الناصر (مصر يا أخت بلادي يا شقيقة ).كل غالبية الساسة السودانيين يترجمون الاغنية على هواهم . ما منهم من حاول كسر هذه الثيمة الرتيبة حد الضجر.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم