يا ابن أمي (3-3)

مؤانسة رمضانية (29)

فيصل محمد صالح

كان اتجاه هاشم لدراسة الفنون بدلاً عن الكليات الأخرى في جامعة الخرطوم مصدر قلق وإزعاج في الأسرة. كان، في ذلك الوقت، في قمة تمرده على كل شيء، حتى العلاقات الأسرية. فُصل من حنتوب، فامتحن من منزلهم وأحرز نتيجة تُدخله أي كلية في الجامعة، فاختار الفنون. ثم تم فصله من كلية الفنون في إضراب مشهور، ومعه الفنان التشكيلي الراحل علاء الجزولي.

سافر علاء ليكمل دراسة الفنون بالخارج، بينما اختار هاشم قسم اللغة الفرنسية في كلية الآداب بجامعة الخرطوم مكاناً له، وكان يعمل في الوقت نفسه في قسم الاستماع الإذاعي بوكالة سونا. كان طالباً متفوقاً، لكنه تأخر عامين عن دفعته بسبب الاعتقال السياسي.

كان يمازحنا، أنا وأخواتي، بأنه الوحيد الذي دخل جامعة الخرطوم، رغم أنه الوحيد منا الذي لم يكن يأتي ضمن الأوائل في سنوات الدراسة المختلفة، بينما كنا جميعاً من الأوائل، وكان يتلقى تقريعاً مستمراً من الأسرة على ذلك.

ابتعثته الجامعة بعد ذلك ليدرس السنة الخامسة في ليون بفرنسا، لكن بعد عودته تم رفض تعيينه بالشعبة. دعاه الدكتور عشاري أحمد محمود للانضمام إلى شعبة اللغويات بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، التي كانت تحت رئاسته، فصار عضواً أصيلاً فيها. نال الماجستير من المعهد حول المسح اللغوي لمنطقة جبل مرة.

شكلت تلك الفترة مرحلة جديدة في حياته؛ صار أكثر اقتراباً من الأسرة، خاصة بعد أن تزوج وأنجب ابنه الوحيد بشرى. لفترة طويلة كنت الابن الوحيد المقيم مع الأسرة، والذي يقوم بواجبات الأبناء الذكور؛ أسافر مع والدتي لتطمئن على أشقائها وشقيقاتها، وأذهب للتسوق وشراء الأغراض، وأرافق الوالد والوالدة إلى الأطباء، رحمهما الله. رغم ذلك لم يكن هاشم غائباً؛ لا أذكر أن والدي ناداني باسمي من المرة الأولى، غالباً ما كان ينادي: “هاشم… هاشم… فيصل”.

تقاعد الوالد، ثم انتقل إلى الخرطوم بحكم وجودنا جميعاً، الأبناء والبنات، فيها، ثم إلى الحصاحيصا. دخل هاشم مجدداً في تحمل مسؤوليات الأسرة، ثم صار الأكثر تفضيلاً. كنا نتبادل الذهاب مع الوالد إلى الأطباء، ونحضر المطلوبات ونشتري الأغراض المختلفة، لكن ظل باستمرار “الدكتور بتاع هاشم أحسن من الدكتور بتاع فيصل”. حتى الدواء الذي يشتريه هاشم من الصيدلية أفضل من نفس الدواء الذي أحضره أنا. كنت أتفهم سعادتهم بوجود هاشم المؤثر في محيط الأسرة، وصبره وطول باله أكثر مني بكثير.

كسر هاشم ببساطة كل تقاليد الزواج وبناء الأسرة وأداء الواجبات المنزلية. تزوج هو وأم الخير أواخر السبعينيات ببساطة، دون تكلفة عالية أو “شيلة” أو حفلة مكلفة، وتبادلا مسؤولية المنزل ورعاية بشرى. حين تكون خالتي ست البنات، والدة أم الخير، رحمها الله، موجودة، كانت تتعب أم الخير بالتعليمات: “يا بت، قومي، الراجل ده دخل المطبخ، يمكن عاوز شاي”. فتضحك أم الخير وهي تقول إن أمها “ما عارفة إنو الغداء ذاته عملو هاشم”.

ابتعثته الجامعة عام 1990 إلى فيلادلفيا ليدرس الدكتوراه بأمريكا، فسافر إلى هناك، ثم تحول إلى جامعة بيركلي في كاليفورنيا. كانت بعثة من الجامعة وليست منحة، لذلك حين بدأت مذبحة الفصل للصالح العام طالته مباشرة، وأوقفت الجامعة المصاريف الدراسية، وكانت بعضها متراكمة. فهجر الدراسة وتفرغ لأعمال مختلفة ليعيل أسرته.

كان زاهداً حقيقياً؛ جلس لسنوات طويلة دون أن يقدم طلباً للجوء السياسي. وبعد أكثر من عشرين سنة، وتحت ضغوط أصدقائه، بدأ خطوة ثم توقف لسنوات. ثلاث وثلاثون سنة إقامة قانونية في أمريكا، ولم يحمل جوازاً أمريكياً. وحين تعرض ابنه بشرى لحادث في الدوحة، حصل على وثيقة سفر اضطرارية بعد تقديم التقارير الطبية، وجاء إلى الدوحة، ثم إلى ألمانيا حيث كان بشرى يجري عملية جراحية.

كان يعمل لسنوات طويلة متطوعاً في تدريس أبناء الجالية السودانية في شمال كاليفورنيا اللغة العربية. حين ذهبت لزيارته وقضيت معه أياماً هناك، ما دخلنا بيتاً من بيوت أصدقائه الكثر، عبد الماجد بوب، عبد الرحيم من الله، خالد، دكتور الرشيد وغيرهم ، إلا وكان الأطفال أول المستقبلين لـ”عمو هاشم”، وكذلك الحال عند عمرابي وإقبال وأولادهم.

حين رحل، في ذلك اليوم الكئيب، تجمعوا كلهم، من كل الأجيال، لوداعه، وأقاموا بعد شهور يوماً مشهوداً لتأبينه. حاولوا وأصروا على حضوري، لكن تعذر عليّ الحصول على التأشيرة، فتابعتهم إسفيرياً. لسان الأسرة كلها يلهج بشكرهم على ما قاموا به في كل المراحل، فقد قاموا مقام الأسرة.

كل ما أتمناه أن تتيح لي الأيام أن أقف يوماً على قبره، أقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن على روحه، أبلغه تحيات وأشواق الأهل والأصدقاء، ورضا الوالدين عنه، وأحدثه كما اعتدت عن كل ما جرى بعد رحيله، وأن أقدم لوحيده بشرى، الذي يقيم وحيداً في الدوحة، ما يفتح أمامه أبواب المستقبل الذي يستحقه.

رحمه الله وأحسن إليه، فقد كان شخصاً نادراً… ومؤثراً في من حوله.

عن فيصل محمد صالح

فيصل محمد صالح

شاهد أيضاً

تجربة صحيفة الخرطوم (3)

مؤانسة رمضانية (25)فيصل محمد صالحفي البداية أريد أن أذكر مرة أخرى أنني أكتب خواطر من …