كادت أن تصرعني الدهشة وانا أطالع ما اورده د. حيدر إبراهيم في مقال له نشر بصحيفة سودانايل الالكترونية يوم ٢٥ أغسطس ٢٠٢١م بعنوان (ثورة في الثورة: الصراع بين السيطرة والهيمنة داخل ثورة ديسمبر المجيدة حالة والي القضارف نموذجاً) والذي قال فيه 🙁 ولكن ثورة ديسمبر المجيدة بسبب عفويتها وشعبويتها لم تحسم هذه المهمة فأستمرت الفئة الانتهازية….. الخ ). أعدتُ القراءة مرة وأخرى في مصطلح “شعبويتها”.. ومنيت نفسي أن يكون الكاتب قد قصد أن يقول (شعبيتها). ذلك أن ثورة ديسمبر كانت بحق ثورة شعبية
أما أن توصف بأنها (شعبوية) فذلك تطفيف في قدرها وزناً، وتخذيل في مفاعيلها نوعاً، وتبخيس في كنهها أصلاً. ذلك أنها كانت هبة شعبية ضمت كل أطياف الشعب السوداني. فالكاتب بعد ان ألقى ذلك المصطلح(شعبوية) لم يكلف نفسه عناء ومشقة توضيح ما يريد أن يوصف به الثورة من حيث المغزى والدلالة. فالمعروف عن الشعبوية Populism كمصطلح سياسي أنها تُستخدم لوصف جماعات أو أحزاب سياسية متطرفة يمينية كانت أم يسارية تعمل على تقويض الوضع الراهن بإطلاق الأوصاف السلبية النافية لصلاحية التعايش مع ذلك الوضع بالتركيز على نقاء الأصل مع اتهام النخب السياسية بأنها السبب في عدم صلاحية تلك الأوضاع، وتعتمد في وذلك على خطاب Rhetoric يحاول لفت إنتباه العامة واستقطابهم لدعم خيارات صاحب الخطاب بوصفه منقذاً من تلك الأوضاع التي يتصور انها تقود لكارثة محققة. ويعتمد مثل هذا النوع من القادة على تأجيج العاطفة الشعبية بأن ثمة خطر ماحق على مستقبلهم من عدو متخيل إن كان من الأقليات من المهاجرين أو المعتقدات الدينية كما يحدث في أمريكا و أروبا فيما يعرف ب Xenophobia و Islamophobia وقد قاد هذا الإتجاه مؤخرا الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وعبر عنه حزب التجمع الوطني في فرنسا بقيادة مارين لوبان Marine Le Pen. فالشعبوية بهذا التوصيف أقرب للحركات والجماعات الفاشستية. وقد حُظيت الشعبوية في الغرب بالاهتمام والدراسات لما أضحت تشكله من خطر على قيم الديمقراطية الليبرالية بتسيدها مسرح الأحداث في العديد من النزالات الديمقراطية.
إن اهم ما يميز الشعبوية أنها تستغل الأوضاع المأزومة أو الأزمات بشكل مباشر حتى تطرح نفسها كبديل أو منقذ ، كما أنها شديدة التحور والتقلب Chameleonic فهي تستفيد من النظام الديمقراطي وتمقته في ذات الوقت، وتهتم بربط مصير الشعب بما تطرحه من حلول وتدعي تمثيل الإرادة الشعبية بعد ان تدمغ النخب المختلفة بكل انواع الفشل.
إن ثورة ديسمبر المجيدة بما مثلته من قيم و ما طرحته من شعارات جسدت رفضاً حقيقياً للشعبوية التي عبرت عنها الجبهة الإسلامية منذ ما قبل انقلابها على السلطة في العام ١٩٨٩م حيث كانت تطرح خطاب شعبوي برفضها القاطع لإتفاقية الميرغني – قرنق وتصويرها بأنها تفريط في السيادة الوطنية، وإلغاء لأحكام الشريعة الإسلامية، وبررت بذلك انقلابها على السلطة بأن الإسلام في خطر، ( لاحظ تسمية الانقلاب بالإنقاذ الوطني كتعبير عن تلك النزعة الشعبوية) ثم اعملت وعمدت لذات الخطاب الشعبوي الذي عبأت به الآلاف الشباب لما أسمته الجهاد في جنوب السودان بالدرجة التي اوصلت ذلك الجزء من السودان لتفضيل خيار الانفصال. وبذات الخطاب الشعبوي شنت الحرب على أهل دافور في محارق ومجازر كانت الأبشع في تاريخ السودان الحديث، كما لم يختلف ذات الخطاب الشعبوي في الحرب التي دارت في جبال النوبة والتي وصل فيها الخطاب الشعبوي بدرجة دفع والي جنوب كردفان حينها لمخاطبة الجنود بالقول (ما تجيبه حي، ما عايزين مصروفات إدارية) كدلالة على اتجاه شعبوي مؤسس على الكراهية. ثارت عليه جموع أهل السودان معبرة عن رفض قاطع لتلك النزعات الشعبوية.
لكل ذلك يكون من الإجحاف بمكان وصف ثورة ديسمبر بأنها شعبوية.. والدليل الأكبر ما طرحته من خطاب ينبذ تلك الاتجاهات الشعبوية (يا عنصري مغروركل البلد دارفور) لتمهد الطريق لنظام ديمقراطي ليبرالي تعددي يقوم على التسامح والمشاركة الحرة في العملية السياسية.
مهما يكن من أمر يمكن القول إجمالا بأن ثورة ديسمبر مازالت تتحسس خطاها في ترجمة آمال واحلام الثوار في واقع لم يتعافى بعد من آثار الشعبوية التي وسمت المجال السياسي بميسمها في الثلاثين عاماً الماضية، ومازال أمامها طريق شائك يجب عليها عبوره لتنفي خطاب الشعبوية والكراهية. وتلك تحديات قد تجعل ضرورة تفكيك الخطاب الشعبوي أبرز ملامح الفترة المقبلة، ذلك أن الشعبوية لن تستسلم بسهولة وانها ستلجأ لطابعها التمويهي Chameleonic لتعود من جديد وإن بمظهر أو تحالف مختلف.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم