لعل أوجه الشبه السياسية بين لبنان والسودان كثيرة منها أن كلا البلدين يتميز بتركيبة عرقية ودينية متباينة وكلاهما تعرض لحرب أهلية ضروس ثم أن كلا البلدين كانا محل اهتمام لمبادرات السلام القطرية التي نجحت في اختراق ملفات النزاع الشائكة في البلدين عبر الوساطة المحايدة التي تقف على مسافة واحدة من جميع الفرقاء السياسيين وعبر التركيز على تحقيق العدالة التنموية على الأرض باعتبار أن ذلك هو السبيل الأوحد لحقن الدماء ورفع الظلامات وقد نجحت مجهودات الدبلوماسية القطرية في لبنان بعد أن ساهمت في تمكين اللبنانيين من تحقيق السلام الداخلي وتشكيل حكومة وفاق وطني كما نجحت في تحقيق اختراقات هامة لملف دارفور الشائك عبر توقيع ملحق للاتفاق الإطاري الموقع في الدوحة في 18 مارس 2010 وتشكيل لجنة الصياغة بغرض اعداد مشروع اتفاق شامل بين الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة ثم السعي الدؤوب لضم حركتي العدل والمساواة وحركة تحرير السودان لمفاوضات سلام دارفور بالدوحة.
وفي هذا التوقيت بالذات الذي بدأت فيه الحكومة اللبنانية تسعى إلى تحقيق شراكة لبنانية قطرية استراتيجية في المشروعات الاقتصادية الحيوية في مجالات التنقيب عن النفط والغاز في المياة الإقليمية اللبنانية ، في هذا التوقيت بالذات الذي توشك فيه الدبلوماسية القطرية على تحقيق اختراق حاسم لملف دارفور تمهيداً لتحقيق سلام شامل وعادل ونهائي في السودان قبل نهاية عام 2010 ، تقرر المحكمة الجنائية الدولية إصدار قرارات بحق لبنان والسودان تهدد بنسف السلام الداخلي الذي تحقق في لبنان وتعرقل تحقيق السلام الذي أوشك على التحقق في السودان!
في هذا الظرف الحرج من تاريخ البلدين ، يجب على كل الفرقاء السياسيين أن يغلبوا المصلحة العليا للبلدين على اعتبارات تحقيق العدالة الدولية المخترقة بمصالح دولية أخرى تتعارض مع المصلحة الوطنية العليا لكلا البلدين ، إن الحفاظ على السلام الداخلي في لبنان وتحقيق السلام الشامل والنهائي في السودان وتحقيق العدالة التنموية في كلا البلدين هما مصلحتان وطنيتان يجب تقديمهما على أي مصالح دولية أخرى ولذلك ينبغي على كل الفرقاء السياسيين أن يحافظوا على السلام الداخلي والوحدة الوطنية في كلا البلدين ثم يسعوا بعد ذلك إلى تحقيق العدالة الوطنية بحق أي جرائم سياسية مرتكبة في ترابهم الوطني وألا يفسحوا المجال لأي تدخلات دولية تهدد بنسف السلام الاجتماعي في كلا البلدين لأن مصلحة البلدين تكمن فقط في المحافظة على السلام الداخلي لا في تصفية الحسابات السياسية عبر الاستعانة بالحلفاء الخارجيين الذين لا تتفق مصالحهم مع مصلحة البلدين.
فيصل علي سليمان الدابي/المحامي
fsuliman1@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم